في اليوم الوطني السعودي.. وطنٌ يسبق موعده

ليست الأوطان مساحةً من الأرض تحدّها الخرائط، ولا تاريخًا تحفظه الكتب، ولا رايةً ترفرف فوق المباني فحسب؛ الأوطان، في معناها الأعمق، ذاكرةٌ تمشي على الأرض، وحلمٌ تتوارثه الأجيال، وإرادةٌ تعرف من أين بدأت، وتعرف – قبل ذلك – إلى أين تريد أن تصل. وفي الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، لا نستعيد ذكرى توحيد وطن فحسب، بل نستعيد لحظةً فارقة استطاع فيها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – أن يجمع شتات الجغرافيا، ويوحّد القلوب قبل الحدود، ويقيم دولةً أصبحت اليوم تقف بثقة بين دول العالم الكبرى. لكن لهذا اليوم الوطني معنىً آخر يستحق أن نتأمله. فنحن نحتفل هذا العام بوطنٍ لم يعد ينتظر المستقبل ليأتي إليه، بل يمضي إليه ويصنعه بيديه؛ وكأن المملكة، في سباقها مع الزمن، قررت ألا تنتظر عام 2030 لترى ما وعدت به رؤيتها، بل أخذت تستدعي ذلك المستقبل إلى حاضرها، إنجازًا بعد إنجاز. قبل عشرة أعوام، حين أُطلقت رؤية المملكة 2030 بقيادة سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – كانت بعض طموحاتها تبدو بعيدة، شاهقةً كقمم الجبال. أما اليوم، فقد اقتربت القمم لأن الوطن ارتفع إليها. وما كان يومًا أرقامًا على صفحات الخطط، أصبح مدنًا ومشروعات، وفرص عمل ووجهات سياحية، واقتصادًا أكثر تنوعًا، ومواطنًا أكثر حضورًا في صناعة مستقبله. وها نحن في عام 2026 ندخل المرحلة الثالثة والأخيرة من رؤية 2030؛ مرحلة ترسيخ ما تحقق، وتسريع ما بقي، والانتقال بالمملكة إلى آفاق أبعد. ولغة الأرقام – على جفافها – تستطيع أحيانًا أن تروي حكايةً بليغة؛ فقد تجاوزت نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن 66%، وعدد السياح 123 مليونًا، ووصلت مساهمة القطاع الخاص إلى 51% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وتجاوزت الصادرات غير النفطية 623 مليار ريال، فيما اختارت أكثر من سبعمائة شركة عالمية المملكة مقرًا إقليميًا لها. وتلك ليست أرقامًا متناثرة في تقرير اقتصادي؛ إنها نبض اقتصادٍ يعيد تشكيل نفسه، وشواهد طريق لوطن يفتح لنفسه نوافذ جديدة على العالم. ولعل من أحدث تلك الشواهد ما شهدته الرياض في مؤتمر ليب 2026؛ ففي أربعة أيام تحولت العاصمة إلى ملتقى عالمي للعقول والمستثمرين وصنّاع التقنية، بإعلانات واستثمارات واتفاقيات قاربت خمسة عشر مليار دولار، امتدت من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية إلى التصنيع التقني ورأس المال الجريء. غير أن قيمة المشهد لم تكن في ملياراته وحدها؛ فالأرقام، مهما كبرت، تظل أقل دلالةً من الاتجاه الذي تشير إليه. حين تُستثمر المليارات في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، وحين تختار كبرى شركات التقنية العالمية المملكة لتوسيع استثماراتها، بالتوازي مع مبادرات لبناء القدرات الوطنية وتأهيل السعوديين لوظائف المستقبل، فإننا لا نتحدث عن سوقٍ يستهلك منتجات الثورة الرقمية فحسب، بل عن وطنٍ يبني لنفسه مكانًا في صناعتها. فالمال يستطيع أن يبني مركز بيانات، وأن يشتري أسرع الحواسيب وأحدث التقنيات؛ لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع وطنًا متقدمًا. الإنسان هو الذي يفعل ذلك. وحين يستثمر الوطن في عقول أبنائه وبناته، فإنه لا يشتري تقنيةً للحاضر، بل يزرع بذور عقودٍ قادمة. وهنا تكمن دلالة «ليب 2026» الأعمق: العالم لم يعد يأتي إلى الرياض ليعرض عليها المستقبل فحسب، بل يأتي ليشاركها في صناعته. وهكذا يصبح المؤتمر نافذةً نطل منها على تحول أكبر، ودليلًا آخر على أن الرؤية المباركة لسيدي ولي العهد لم تضع المملكة على طريق المستقبل فحسب، بل أرادت لها مكانًا في الصفوف الأولى لصانعيه. فالرياض التي كانت تستقبل المستقبل بالأمس، أصبحت اليوم إحدى المدن التي يُصنع فيها. ومع كل هذا التحول، بقي الإنسان السعودي في قلب الرحلة، وبقيت روح المملكة راسخةً في جذورها. نذهب إلى المستقبل بثقة، دون أن نغادر تاريخنا؛ نبني المدن الحديثة ونحيي الدرعية، نستثمر في الذكاء الاصطناعي ونعتز بالسدو والنخلة والقهوة السعودية، ونفتح نوافذنا للعالم دون أن نغلق أبواب الذاكرة. وهذه واحدة من أجمل صور رؤية 2030: أنها لم تجعل الحداثة نقيضًا للأصالة، ولا الانفتاح خصمًا للهوية، بل جعلت من الجذور أساسًا ترتفع عليه الأغصان. ومن ينظر إلى المملكة اليوم من خارجها قد يرى المشروعات العملاقة والمطارات والمصانع والوجهات السياحية ومراكز التقنية والذكاء الاصطناعي؛ أما نحن أبناء هذا الوطن، فنرى خلف ذلك شيئًا أكبر: نرى وطنًا أصبح سقف طموحه أعلى، وجيلًا سعوديًا بات ينظر إلى العالم لا ليسأل: ماذا صنع الآخرون؟ بل ليسأل بثقة: وماذا نستطيع نحن أن نصنع؟ لقد علّمتنا السنوات العشر الماضية أن الأحلام الكبيرة لا تصبح حقيقةً بالتمني، وإنما حين تقف خلفها قيادة تؤمن بها، وإرادة لا تتراجع أمام صعوبة الطريق، وشعب يجد نفسه شريكًا في الحلم والإنجاز. ومن هنا، فإن الحديث عن رؤية 2030 لا ينفصل عن الرؤية القيادية لسيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ ذلك الطموح الذي رفع سقف الممكن، وحوّل «نستطيع» من أمنية إلى منهج عمل، في ظل قيادة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله وأمد في عمره – الذي رعى هذا التحول ووجّهه بحكمته وخبرته. وفي اليوم الوطني، ننظر باعتزاز إلى ما مضى، لكن أعيننا تتجه إلى الأمام؛ لأن قصة السعودية لم تكتمل بعد. هذا الوطن الذي بدأ مع ملحمة التوحيد رحلة بناء الدولة، يعيش اليوم رحلة أخرى: توحيد الطاقات حول مستقبلٍ يليق به. وسيذكر التاريخ أن جيلًا من السعوديين عاش زمن التحول الكبير؛ رأى الحلم وهو يغادر الورق، والطموح وهو يتحول إلى بناء، والمستحيل وهو يفقد شيئًا من هيبته كل يوم. ذلك هو وطننا: وطنٌ عريق الجذور، بعيد الرؤية، شابّ الطموح. وطنٌ يحمل تاريخه في قلبه، والمستقبل في عينيه. وطنٌ لا ينتظر موعده مع الغد… لأنه، ببساطة، يسبق موعده. حفظ الله المملكة العربية السعودية، وحفظ سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو سيدي ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، وأدام على وطننا أمنه وعزّه وازدهاره، وجعل أيامه القادمة أجمل من كل ما مضى.