منذ عهد طويل من الإخفاقات المتراكمة والأزمات الإدارية السابقة التي عزلته لفترات عن منصات التتويج وحرمت جماهيره من الاستقرار الفني، عانى الفريق لسنوات من غياب الرؤية الواضحة، وتداخل الصلاحيات الفنية والإدارية، والعشوائية في اختيار العناصر. نشاهد اليوم النصر يعيش واقعاً احترافياً مغايراً تماماً، صاغت ملامحه الهندسة البرتغالية خلف الكواليس وبقيادة رئيسه التنفيذي جوزيه سيميدو والمدير الرياضي سيماو كوتينيو، نجح هذا الفكر البرتغالي المنظم في تفكيك إرث الإخفاقات السابقة، وبناء استراتيجية مؤسسية حديثة نقلت النادي إلى مصاف المنظومات العالمية الفائقة، هذه المنظومة شكلت فريقاً قريباً ذكياً بعقلية انتصارية صلبة لا تعرف المستحيل، قادرة على مجابهة كافة التحديات داخل الملعب وخارجه، وحققت لقب دوري روشن التاريخي في الموسم الماضي. المسيرة الكروية للنصر تشهد تحولاً تاريخياً جذرياً واستراتيجياً لم تقتصر هذه الثورة البرتغالية على الأمور التعاقدية وسوق الانتقالات فحسب، بل امتدت لتشمل إعادة صياغة كاملة وجذرية لبيئة العمل اليومية داخل أسوار النادي، حيث يلعب المنظور الإداري الجديد وحساب النادي دوراً محورياً فائق الأهمية في رفع مستوى رفاهية اللاعبين والاحتواء النفسي والبدني المتكامل لهم، ويتجلى هذا الدور في أدق التفاصيل اليومية، بدءاً من تنظيم الحصص التدريبية والتمارين وتوفير أعلى معايير الرعاية الطبية والغذائية، وصولاً إلى أجواء غرفة الملابس التي تحولت إلى بيئة عائلية مترابطة يسودها الانضباط الصارم والمحبة الأخوية، هذا الاحتواء الإداري والبيئة الجاذبة المليئة بالاستقرار والرفاهية صنعا فارقاً هائلاً في تصفية أذهان اللاعبين ومنحهم الراحة النفسية والذهنية الكاملة للركض والإبداع في المستطيل الأخضر، إلى جانب تقديم دعم مطلق ولا محدود للمدرب ومساندته الكاملة في تطبيق قراراته الانضباطية والتكتيكية، مما أوجد حالة من التناغم والانسجام التام بين رأس الهرم الإداري والجهاز الفني، وعلى الصعيد الفني، سطر العرّاب البرتغالي جورجي خيسوس فصلاً تكتيكياً استثنائياً يمثل مدرسة كروية متقدمة تُدار بأساليب متنوعة تارة ومتشابهة في صرامتها وتكاملها تارة أخرى. ويلعب هذا الفكر التدريبي المتطور دوراً رئيسياً في صياغة هوية النصر الهجومية والدفاعية، حيث أسس خيسوس منظومة اختيار وتوظيف ذكية تضمن ترجمة الاستراتيجية الفنية الفائقة على أرض الواقع، لتقدم للنصر ما يصل إلى 90% من الأهداف الحاسمة والفرص التكتيكية المتقنة التي تمنح الفريق تفوقاً جارفاً يختصر الوقت والجهد في صعود منصات التتويج وتحقيق البطولات بوقت قياسي وسريع. ذكاء خيسوس لم يتوقف عند وضع الخطط المسبقة، بل برزت عبقريته الفذة في إعادة تدوير وتحويل مراكز اللاعبين واستخراج طاقاتهم الدفينة، ناقلاً إياهم من حيز المهمة الأحادية الجامدة والمقيدة إلى أدوار مركبة ومتنوعة تخدم الجماعية وتفاجئ الخصوم بالملعب، ولعل البرازيلي الشاب أنجيلو غابرييل هو الشاهد الأكبر والأبرز على هذه العبقرية التدريبية، إذ نجح خيسوس في توظيفه بشكل مرن حطّم به الخطوط الدفاعية للمنافسين ونسف به الأرقام القياسية، ليعلن أنجيلو بامتنان كبير أن خيسوس لم يغير مركزه في الملعب فحسب بل غير مسيرته وحياته الرياضية بالكامل بعد أن حوّله إلى عنصر فتاك داخل المنظومة. ومع رحيل خيسوس لتدريب المنتخب البرتغالي وتولي الأسترالي أنج بوستيكوغلو قيادة الدفة الفنية حالياً، دخل النصر مرحلة جديدة من إثبات الذات والاستمرارية، إذ نجح بوستيكوغلو سريعاً في إثبات أحقيته بملء هذا الفراغ الكبير مستنداً إلى فلسفة الهجوم الخاطف الذي يكسب به الخصوم، ولم يمضِ وقت طويل حتى برهن المدرب الأسترالي على شجاعته التكتيكية العالية وقدرته الفذة على قيادة عقلية الـ"لا هزيمة" حتى وقتنا الحالي، متحملاً الضغوط الفنية الكبرى بالقرارات الجريئة في الملعب، والتي تمثلت في قدرته على تحويل مسار أصعب المباريات مثل نجاحه الأخير في قلب الطاولة التاريخية أمام الاتفاق بريمونتادا مثيرة (3-2) بعد اللعب بـ10 لاعبين والتأخر بهدفين، متخذاً قراراً تكتيكياً صارماً باستبدال القائد كريستيانو رونالدو بين الشوطين لإعادة التوازن وضخ الحيوية التي منحت النصر صدارة الدوري والانتصار الثالث على التوالي. هذا الانتقال السلس يوضح عمق وتأثير المنظومة النصراوية التي لا ترتبط بأسماء بل تواصل حصد الأرقام القياسية والبطولات بوقت قياسي، ما جعل النصر يحافظ على هيبته مع توالي المدارس الكروية المتقدمة، وأهم ما زرعته هذه المنظومة المتكاملة الممتدة من الإدارة إلى المدرب واللاعبين هو تثبيت وتجذير ثقافة الأرقام العالية كنهج ثابت وعقيدة كروية لا تنازل عنها، فلم يعد طموح النصر ولاعبيه مجرد تحقيق الانتصار العابر أو النقاط الثلاث، بل السعي الدائم نحو تحقيق أعلى معدلات الاستحواذ، التمرير الدقيق، خلق الفرص المحققة، وتسجيل الأرقام القياسية محلياً وقارياً لإبراز الهيمنة الفنية الكاملة، ونتيجة لهذا الفكر، تولدت لدى عناصر الفريق ككل رغبة شرسة وعارمة لانتزاع الفوز من مخالب الخصوم في كل مواجهة وخلف كل كرة، وهي الثقافة القتالية الطاغية التي جعلت الفريق لا يتأثر بالضغوط الخارجية، ويمتلك الشخصية القوية القادرة على مواجهة الجميع بثبات، حتى أصبح النصر فريقاً جاهزاً تماماً لخوض غمار أصعب البطولات والمباريات بفضل الحفاظ الدقيق والمتابعة المستمرة لأهم الركائز الأساسية والفنية للفريق، ليصبح عصياً على الانكسار ولديه القدرة الفائقة على قلب الطاولة والتحكم في مصيره والعودة بالنتيجة لصالحه حتى في الأنفاس الأخيرة من المباريات، لتسير هذه المنظومة الشرسة بخطى ثابتة ومستقرة نحو اعتلاء منصات الذهب وحصد الألقاب. سامر الشاماني