في الجـــو غيــم..

بشكل عام يميل مناخنا وطقسنا في معظم أرجاء وطننا الغالي إلى طبيعة المناخ الصحراوي الذي يقلّ فيه الغيث إلا في مواسم من العام، حتى يصبح أو يمسي ضيفاً غالياً ترجوه الآمال وتحفّه الدعوات، وتقام له الابتهالات، وارتبطت هذه المكانة العلية للغيث ارتباط القلوب بأحبتها، والمُهج بغيّابها، وليس أدلّ على ذلك من تلك الدعوات التي تنال أراضي الأحبة بأن يجود عليها غيث السماء، فضلاً عن أوطان الأهل والعشيرة، فتأتي الدعوات بأن يعم ديار الأحبة مدرار الغيم، وتصيبها أوصابُه، فهذا شاعر الأندلس (لسان الدين ابن الخطيب) يقول: جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ. ولا شك أن مكانة الحبيب في قلب العاشق تكون على قدر الأمنيات، وتوازي أغلى ما في النفوس من جزل العطايا، أو ثمين الهبات، ولقد كانت الدعوات بسقيا الأرض، أول ما يجري على لسان أولئك القوم، فيدعون لديار الأحبة بالسّقي، بمثل قولهم: (سقى الله... ورعى الله)، وهذا عاشق ليلى ومجنونها يؤكد هذه الدعوات بقوله: سَقى اللَهُ جاراتٍ لِلَيلى تَباعَدَت بِهِنَّ النَوى حَيثُ اِحتَلَلنَ المَطالِيا. إلى أن يقول مسائلاً قومه وركابهم عن الأودية ومضارب الماء، علّها غشَت ديار ليلى، أو غمرت شعاب قومها: أُسائِلُكُم هَل سالَ نَعمانُ بَعدَنا وَحُبَّ إِلَينا بَطنُ نَعمانَ وادِيا. وربما استخدم الشعراء تلك الإشارات المجازية، التي تقوم مقام الغيث في ذات السياق الحنيني، والطابع المشاعريّ، كالغيوم والأنواء، والمواسم، يقول أحدهم: سقى صوبُ الغمام عريش كرمٍ جَنينا من جَناهُ العذب أنْسا. ومعنى هذا، أن هناك علاقة تجعل أرواحنا توّاقة لهذا الهمّال، مستشرفة لركامه الأبيض حين يتباشر به القوم، وهم يحتفون بقدومه احتفائهم بالفاتحين، بل ويتتبعون أخبار هذا الخير، حتى إذا ما أصاب أوديتهم ومراعيهم وقع من نفوسهم موقع الماء من الظمأ، فغمرتهم تباشير الفرح والغبطة، وتسارعوا لاحتضان غيومه وسيوله، وتقدمت الحالة وتطورت مع الزمن، إلى أن أصبح الغيث مصحوباً بكثافة توثيقيّة إخباريّة، يدعمها التصوير، والتأريخ، وتحديد المواقع، وذكر أسماء الأودية والشعاب، والأودية الفحول والفروع والروافد، ولعلّ ذلك مردّه لعاملين مهمين: أولهما ارتباط هذا الغيث بالمواشي والبهائم، وهي مصدر رزقٍ وعيشٍ في تخوم البوادي والقفار، وكذلك لارتباطه بطيف اجتماعي آخر وهم المزارعون، وأصحاب الحقول والمحاصيل، أولئك الذين يطمرون حبوبهم بالطين على أمل أن تستوي محاصيل على سوقها، بيد أنّ الثقافات لا تدوم غالباً على حال، لأنها تتغير مع تغيّر ظروف الحياة، وتتبدل مع تلك التحولات الاجتماعية والمادية التي يمرّ بها أي مجتمع، فلم يعد غريباً أن نسمع أمنيات بانصراف المطر إلى المناطق البعيدة على عكس ما سبق من أمنيات بقدوم الغيث، فسكّان المدن المزدحمة، ذات الشوارع المغلقة، وذات الأزقة المحصورة، لا يكونون غالباً على وفاقٍ مع الماء حين تنهمر السماء بمدامعها الغِزار، لأنّ هذه المدن التي تسكن قلب الحضارة، مشغولة بثقافة التجارة والاهتمامات المدنية المختلفة، وستصاب في ديناميكية حياتها بحالةٍ من الشلل بفعل الغرق، وربما تعرضت لتلفياتٍ ووفيّات، وهنا تنعكس المشاعر، وتتناقض الدعوات، من القبول إلى الرفض، ومن الرجاء إلى الخوف، أما أولئك الذين يقفون على الحياد، فلا ينتظرون الغيث بلهفةٍ، ولا يهمهم غيابه إذا طال، بل يعيشون حالة توحدٍ عشقيٍّ حالمٍ، مستغرقٍ في شجونه الخاصّة، ولسان حالهم كما قال أبو فراس الحمداني: مُعَلِّلَتي بِالوَصلِ وَالمَوتُ دونَهُ إِذا مِتَّ ظَمآناً فَلا نَزَلَ القَطرُ.