تُعدّ غزوة تبوك من أعظم المحطات في السيرة النبوية، وقد صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره من المدينة إلى تبوك وعودته منها في عدة مواقع، عرفت فيما بعد بمساجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كلّف الكاتب من قبل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لإعداد دراسة غزوة تبوك بعناصرها المتعددة، ومنها دراسة ميدانية لمسار غزوة تبوك ومصليات رسول الله صلى الله عليه وسلم طول مساره لغزوة تبوك، وقد بادر الباحث فور تكليفه بهذه المهمة من أول يوم حيث قام بالرحلة من المدينة المنورة إلى تبوك مرتين متتاليتين وقطع ما يقارب أربعة آلاف كيلومتر لتتبع تلك المواقع، ومن تلك المواقع فيفاء الفحلتين الواقع في طريقه إلى غزوة تبوك، وهو المرحلة الثانية من المدينة إلى تبوك بعد ذي الخشب، لذا يُعد جبل الفحلتين من المعالم الجغرافية البارزة شمال المدينة المنورة، والفحلتان هما صخرتان على جبل يقع إلى الغرب من وادي إضم عند قرية البوير اليوم. ومن الجبل إلى الوادي مفازة واسعة لا شك أن الجيش قد استراح فيها للمرحلة الثانية. وتبعد الفيفاء عن ذي خشب مسافة 47 سبعة وأربعين كيلا وعن المدينة المنورة 87 كيلا. والفيفاء بالفتح وتكرير الفاء: المفازة التي لا ماء فيها من الاستواء والسعة، فإذا أنث فهي الفيفاء وجمعها الفيافي، وقد وردت باسم فيفاء الفحلتين وذلك نسبة إلى الجبل الذي تقع عليه هاتان الفحلتان والذي يكتنفها من الغرب، ويخترق وادي إضم هذه الفيفاء من طرفها الشرقي حيث تمر جادة القوافل القديمة بعد انحدارها من (مدرّجة). ومدرّجة -بتشديد الراء المفتوحة وبعدها جيم مفتوحة -عبارة عن عقبة تصعد الحافة الشرقية للوادي مبتعدة قليلاً عنه، لتفادي المرور ببطن الوادي الذي كان عبارة عن غابات كثيفة لا مجال للدواب أن تعبرها آنذاك إلا عبر ممرات محددة لا يعرفها إلا الأدلاء الخبراء في تلك المناطق، فتعبر الطريق طرف الحرة المحاذية لوادي الحمض من الشرق لتنزل إلى ما يعرف اليوم بشجوى القديمة.
ولم يرد أي ذكر في السير لمدرجة هذه، وهو ما يدعو للاعتقاد أنها ربما تكون قد رصفت في الأزمنة الإسلامية المتأخرة عندما بدأت عناية الدول الإسلامية المتعاقبة بطرق الحج، حيث إنها تقع على طريق الحج الشامي والمصري، والذي يظهر أن الجيش النبوي مرّ من الناحية الغربية للوادي عبر الفيفاء (فيفاء الفحلتين)، وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم عندها هناك. وقد تم رصف هذه العقبة بشكل متقن أشد الإتقان وذلك باستخدام صخور الحرة المشذبة بشكل مسطح. ووقف الباحث على هذه الجادة وقياسها فبلغ عرضها قرابة عشرة أمتار عرضاً بطول 203 أمتار.
وفيفاء الفحلتين من المواقع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقد اهتم بها المؤرخون والرحّالة وأصحاب السير اهتماماً بالغاً حيث ذكروا تلك المواقع، قال ابن رشد: «بنى النبي صلى الله عليه وسلم بين تبوك والمدينة نحو ستة عشر مسجداً، أولها بتبوك وآخرها بذي خشب». قال ابن اسحاق: كانت المساجد معلومةً مسماه». وجاء في كتاب المراغي في تعداد مساجد النبي «ومسجد بفيفاء الفحلتين وهي من عمل المدينة أيضا، وكان بها عيون وبساتين لجماعة من أولاد الصحابة وغيرهم»، ومن المتقدمين الذين رصدوا مواقع مصلى النبي صلى الله عليه وسلم أثناء ذهابه إلى غزوة تبوك ورجوعه الحربي صاحب كتاب المناسك وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة، ثم من جاء بعده، ومنهم الفيروزآبادي صاحب كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة»، وبعدهم السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» وغيرهم من المؤرخين، وقد أورد الرحالة محمد بن عبدالله المولوي في كتابه «رحلة الشتاء والصيف» بأن الموقع يضم قناتين على شاهق جبل من غربي الجادة، بينما ذكر السويدي في «النفحة المسكية في الرحلة المكية» أن التسمية تعود إلى انعزال الجبل عن العمران، كالفحل الذي إذا قرع الإبل اعتزلها، وقال الخياري المدني: «الفحلتان ويسمى حصن عنتر منزل كله رمل قابلنا بوجه أمرد من النبات، قل ماؤه وتعطل حياؤه. وهذه البلاد كثيرة الحجارة والطريق فيها مارة بين جبال فقِلنا بهذه المنزلة إلى أن صلينا العصر وسافرنا إلى ضحوة الغد». وقال النابلسي في الحقيقة والمجاز: «كانت تسمى كذلك حصن عنتر، اشتهرت عند الحجاج بقلة الماء وشدة الحر وكثرة الغبار».
يقول أحد المؤرخين: «انحصرت عناية المؤرخين المسلمين بالنسبة لتبوك في ناحيتين، أولاهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم غزاها وهي آخر غزوة وصل بها إلى حدود الشام، والثاني: عنايتهم بالمساجد النبوية الواقعة في الطريق بين المدينة وتبوك، وذلك أن المؤرخين الإسلاميين حرصوا أشد الحرص على تسجيل أسماء الأماكن التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أقدم من عني بذلك ابن إسحاق صاحب السيرة، ثم ابن هشام ملخصها، ومن المتقدمين الحربي صاحب كتاب المناسك ومنازل الحج، ثم من جاء بعده ومنهم الفيروزآبادي صاحب كتاب «المغانم المطابة في معالم طابة»، وبعدهم السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» ولكنها اندثرت ولم يعرف الكثير من تلك المواقع لعدم معرفة الناس في الأعصر المتأخرة لتلك الأماكن، وذلك لوقوع التغيير في مسار الطريق أو التحريف في أسمائها.
يقول الخياري المدني في كتابه «تحفة الأدباء وسلوة الغرباء» عن هذه المساجد ما نصه: (وكانت مساجده صلى الله عليه وسلم في سفره إلى تبوك معروفة، ففي كل منزل نزله اتخذ مسجداً، وقد سلكت أنا هذه الطريق، وسلكها جمع كثير لا يحصى عددهم من المدنيين وغيرهم، ولم يقف أحد على تعيين محل منها في منزل من المنازل إلى أن وصلنا إلى تبوك، لا ظناً ولا تخميناً، فما بالك باليقين والتعيين، ومن لقيناه من البادية الذين ربما يكون عندهم خبر من ذلك، لم نسمع منهم شيئاً في ذلك، ولعل سببه ما هو معلوم من أن هذه الطريق انقطع سلوكها مدة مديدة أيام كانت الخلافة ببغداد فما كانت الحجوج ترد إلا من طريقها ولم نعلم إلى الآن متى كان ابتداء سلوكها من جهة الشام بعد انقطاعها لنا بيقين المدة المذكورة...».
وقد ذكر ابن هشام مساجد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بين المدينة إلى تبوك، وهذه المساجد هي: مسجد بتبوك، ومسجد بثنية مدران، ومسجد بذات الزراب، ومسجد بالأخضر، ومسجد بذات الخطمي، ومسجد بآلاء، ومسجد بطرف البتراء، من ذنب كواكب، ومسجد بالشق، شق تارا، ومسجد بذي الجيفة، ومسجد بصدر حوضى، ومسجد بالحجر، ومسجد بالصعيد، ومسجد بالوادي (وادي القرى) ومسجد بالرقعة من الشقة، شقة بني عذرة، ومسجد بذي المروة، ومسجد بالفيفاء، ومسجد بذي خشب. كما جاء ذكر الفحلتين في سرية زيد بن حارثة إلى حسمى فعندها التقى علي بن أبي طالب رضي الله عنه زيد بن حارثة رضي الله عنه في عودته من سرية سنة ست للهجرة وأبلغه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بردّ ما كان بيده من أسير أو سبي أو مال لمن معه من القوم وأراه سيفه صلى الله عليه وسلم ففعل رضي الله عنه.