من أحد أبواب جدة التاريخية التي ارتبطت طويلًا بالحركة البحرية ووصول الحجاج والتجار والرحالة، تبدأ رحلة مختلفة داخل متحف البحر الأحمر، الذي يحتضنه مبنى «باب البنط» في قلب المنطقة التاريخية، ليقدم للزائر حكاية البحر بوصفه طريقًا للحج والتجارة والملاحة والتواصل بين الشعوب.
وخلال جولة ميدانية لـ «اليوم» داخل المتحف، رصدت عدسة الصحيفة تنوعًا في المعروضات والتجارب التي تجمع بين المقتنيات التاريخية والوثائق والصور والأفلام والعروض التفاعلية، وتستعيد جانبًا من تاريخ جدة وعلاقتها بالبحر الأحمر وما شهدته سواحلها من حركة بشرية وتجارية وحضارية امتدت لقرون.
«باب البنط».. بوابة جدة على البحر
ويستعيد المتحف من خلال موقعه في مبنى «باب البنط» جانبًا من تاريخ جدة المرتبط بالبحر، إذ كان المبنى جزءًا من منظومة المدينة الساحلية التي تعاملت مع القادمين بحرًا، ولا سيما الحجاج والتجار، قبل انتقالهم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ويمنح المبنى نفسه الجولة بعدًا بصريًا لافتًا، إذ تتجاور عناصر العمارة التقليدية في جدة التاريخية مع التصميم الداخلي الحديث للمتحف، فيما تظهر تفاصيل الحجر المنقبي والأخشاب في أجزاء من المبنى، لتبقى العمارة جزءًا من القصة التي يرويها المكان.أدوات الملاحة.. علمٌ قاد السفن
وفي قاعات المتحف، تأخذ أدوات الملاحة مساحة بارزة من الحكاية، حيث يتعرف الزائر على وسائل استخدمها البحارة والملاحون في تحديد الاتجاهات والمواقع، من البوصلات والمزاول الشمسية إلى أدوات تحديد القبلة والأسطرلابات.
وتكشف هذه المقتنيات عن جانب من المعرفة العلمية التي ارتبطت بالملاحة، وكيف استفاد البحارة من الحسابات الفلكية وحركة الشمس والنجوم في تحديد مساراتهم خلال الرحلات البحرية.
ولا تتوقف الحكاية عند الأدوات، إذ تعرض القاعات خرائط ومخطوطات ووثائق مرتبطة بالرحلات البحرية ومسارات التجارة، إلى جانب مقتنيات مرتبطة بحطام سفن تاريخية، بما يتيح للزائر تتبع جانب من البضائع التي كانت تنتقل عبر البحر الأحمر.حكاية الحجاج من البحر إلى مكة
وتحضر رحلة الحج بقوة في المتحف، باعتبار البحر الأحمر أحد الطرق التي سلكها الحجاج للوصول إلى الأراضي المقدسة.
وتضم إحدى محطات الجولة مخطوطات ومصاحف تاريخية، بينها نسخ ارتبطت بمناطق مختلفة من العالم الإسلامي، فيما تقدم الوثائق والصور والأفلام الأرشيفية صورة عن رحلات الحجاج قديمًا، منذ مغادرتهم بلدانهم ووصولهم إلى الموانئ السعودية، وصولًا إلى مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
كما تستوقف الزائر وثائق مرتبطة برحلات الحج، إلى جانب العملات وجوازات السفر القديمة ومذكرات الرحالة، التي تمنح الجولة بعدًا إنسانيًا، وتوثق تفاصيل السفر والعبور والوصول إلى الأراضي المقدسة في فترات تاريخية مختلفة.حكايات البحر بين حطام السفن
ومن بين المحطات اللافتة في الجولة، ما يرتبط بالآثار البحرية وحطام السفن، حيث تعرض مقتنيات استخرجت من مواقع غارقة في البحر الأحمر، وتكشف طبيعة التجارة التي كانت تعبر مياهه.
وتتنوع هذه المقتنيات بين الفخار والبورسلين وغيرها من المواد التي ارتبطت بحركة التجارة البحرية، لتتحول بقايا السفن من قطع أثرية صامتة إلى شواهد على طرق تجارية كانت تربط مناطق مختلفة عبر البحر الأحمر.البحر الأحمر.. بيئة تتجاوز التاريخ
ولا يحصر المتحف رواية البحر الأحمر في الإنسان ورحلاته، بل يفتح جانبًا آخر أمام الزائر يتعلق بالبيئة البحرية والتنوع البيولوجي.
وتقدم التجارب التفاعلية مشاهد ومعلومات عن الشعاب المرجانية والأحياء البحرية والأنظمة البيئية التي تميز البحر الأحمر، في محاولة لربط التاريخ الملاحي بالبيئة التي صنعت جزءًا من هوية الساحل الغربي للمملكة.
وتضيف الأعمال الفنية والمعارض المؤقتة بعدًا معاصرًا للجولة، من خلال أعمال استلهمت البحر وجدة وسواحلها، لتلتقي في المكان ذاكرة الماضي مع التعبير الفني الحديث.العمارة.. جزء من حكاية المتحف
وخلال الجولة، لا تقتصر المشاهد اللافتة على القطع المعروضة، فالمبنى ذاته يتحول إلى عنصر أساسي في تجربة الزائر.
وتظهر في مسارات المتحف تفاصيل العمارة التاريخية لجدة، بالتوازي مع تصميم داخلي هادئ يترك للمقتنيات والشاشات التفاعلية مساحة لرواية قصتها، فيما تمنح المساحات المفتوحة والإطلالات على جدة التاريخية فرصة لرؤية النسيج العمراني للبلد من زاوية مختلفة.
وبين الحجر المنقبي والأخشاب والتفاصيل الحديثة، تبدو الجولة وكأنها انتقال بين طبقات زمنية متعددة، تبدأ من مبنى ارتبط بتاريخ المدينة البحري، وتمتد إلى تجربة متحفية حديثة تستعيد ذاكرة البحر الأحمر.ذاكرة بحرية في قلب جدة التاريخية
ويقدم متحف البحر الأحمر تجربة تتجاوز عرض القطع الأثرية، من خلال جمع أدوات الملاحة ومخطوطات الحج والوثائق والآثار البحرية والفنون المعاصرة في مسار واحد، يستعيد علاقة جدة بالبحر ودورها التاريخي في استقبال القادمين إلى المنطقة.
وفي «باب البنط»، تبدو الحكاية أكثر اتصالًا بالمكان؛ فالمبنى الذي ارتبط ذات يوم بالحركة القادمة من البحر، أصبح اليوم مساحة تحفظ جانبًا من ذاكرة ذلك البحر، وتتيح للزائر أن يتتبع قصص الملاحين والحجاج والتجار، وصولًا إلى البيئة البحرية والفنون التي تستلهمها في الحاضر.