فونتين.. صاحب الرقم المستحيل الذي صمد 68 عاماً
عندما يُذكر الحديث عن أعظم الهدافين في تاريخ كأس العالم، تتجه الأنظار عادة إلى أسماء حديثة مثل ميروسلاف كلوزه أو رونالدو أو ليونيل ميسي، لكن هناك اسمًا فرنسيًا لا يزال يحتفظ بأحد أكثر الأرقام استثنائية في تاريخ البطولة، وهو المهاجم الفرنسي جوست فونتين الذي سجل 13 هدفًا في نسخة واحدة من كأس العالم، وهو رقم لم يتمكن أي لاعب من تحطيمه منذ عام 1958 وحتى اليوم. وُلد فونتين في مدينة مراكش المغربية عام 1933 عندما كانت المغرب تحت الحماية الفرنسية، وبدأ مسيرته الكروية مع نادي الاتحاد الرياضي المغربي قبل أن ينتقل إلى فرنسا ويبدأ رحلته الاحترافية التي قادته إلى التألق مع أندية نيس وريمس، أحد أبرز الأندية الفرنسية في خمسينيات القرن الماضي. لكن المجد الحقيقي لفونتين لم يُصنع في الملاعب المحلية، بل جاء في كأس العالم 1958 بالسويد، عندما دخل البطولة دون ضجيج إعلامي كبير، قبل أن يتحول إلى أعظم هداف شهدته نسخة واحدة في تاريخ المونديال. في تلك البطولة، خاض المنتخب الفرنسي ست مباريات فقط، لكن فونتين تمكن خلالها من تسجيل 13 هدفًا، بمعدل مذهل بلغ أكثر من هدفين في المباراة الواحدة، وبدأ مشواره بهدف ثلاثية «هاتريك» في مرمى باراغواي خلال المباراة الافتتاحية، ثم أضاف هدفين أمام يوغوسلافيا، وهدفًا أمام اسكتلندا في دور المجموعات. وفي الأدوار الإقصائية واصل المهاجم الفرنسي عروضه الاستثنائية، فسجل هدفًا أمام أيرلندا الشمالية في ربع النهائي، ثم أحرز هدفًا في نصف النهائي أمام البرازيل بقيادة الفتى الأسطوري آنذاك بيليه. ورغم خسارة فرنسا تلك المباراة بنتيجة 5-2، فإن فونتين واصل كتابة التاريخ عندما سجل أربعة أهداف كاملة في مباراة تحديد المركز الثالث أمام ألمانيا الغربية. وبذلك أنهى البطولة برصيد 13 هدفًا في ست مباريات فقط، وهو رقم قياسي ما زال صامدًا بعد مرور 68 عامًا، رغم زيادة عدد مباريات البطولة وتطور أساليب التدريب واللعب. ولإدراك حجم إنجاز فونتين، يكفي أن نعلم أن أقرب من اقترب من رقمه في العقود الأخيرة كان البرازيلي رونالدو عندما سجل 8 أهداف في مونديال 2002، بينما سجل كيليان مبابي 8 أهداف أيضًا في كأس العالم 2022. أما الأسطورة الألماني ميروسلاف كلوزه، الهداف التاريخي للمونديال برصيد 16 هدفًا، فقد احتاج إلى أربع بطولات كاملة لتحقيق هذا الرقم، بينما سجل فونتين 13 هدفًا في بطولة واحدة فقط. وعلى المستوى الدولي، خاض فونتين 21 مباراة فقط بقميص المنتخب الفرنسي، لكنه سجل خلالها 30 هدفًا، وهو معدل تهديفي استثنائي يعكس قدراته الكبيرة أمام المرمى. كما ساهم بشكل مباشر في حصول فرنسا على المركز الثالث في مونديال 1958، وهو أفضل إنجاز فرنسي في كأس العالم حتى ذلك الوقت. ورغم موهبته الهائلة، لم تستمر مسيرة فونتين طويلًا كما كان متوقعًا، إذ تعرض لسلسلة من الإصابات القوية في الساق والكاحل أجبرته على الاعتزال المبكر عام 1962 وهو في الثامنة والعشرين من عمره فقط. ويعتقد كثير من المؤرخين أن الإصابات حرمت كرة القدم العالمية من أحد أعظم المهاجمين الذين كان بإمكانهم تحطيم المزيد من الأرقام القياسية. وعلى الرغم من قصر مسيرته، فإن تأثير فونتين بقي حاضرًا في تاريخ اللعبة، فقد تم اختياره ضمن أعظم اللاعبين الفرنسيين عبر التاريخ، كما ظل اسمه مرتبطًا بالإنجاز الفردي الأكثر صعوبة في كأس العالم. فكل نسخة جديدة من البطولة تعيد إلى الواجهة السؤال ذاته: هل سيتمكن أحد من تحطيم رقم فونتين؟ ورغم تعاقب أجيال من المهاجمين الأسطوريين مثل بيليه، ومارادونا، ورونالدو، وكلوزه، وميسي، ومبابي، فإن الرقم لا يزال صامدًا، وكأنه تحدٍ مفتوح أمام نجوم المستقبل. واليوم، وبعد مرور ما يقارب سبعة عقود على مونديال السويد 1958، لا يُنظر إلى جوست فونتين بوصفه مجرد هداف فرنسي سابق، بل باعتباره صاحب أحد أعظم الإنجازات الفردية في تاريخ الرياضة العالمية. فبينما تغيرت قوانين اللعبة وتطورت الخطط التكتيكية وتضاعف عدد المباريات، بقيت أهدافه الـ13 شاهدة على بطولة استثنائية صنعت له مكانة خالدة في ذاكرة كأس العالم.