أكد المخرج المغربي فوزي بنسعيدي أن السينما لا تعنيه بوصفها محاكاة حرفية للواقع، وإنما باعتبارها مساحة لابتكار عوالم شاعرية تمزج بين الصورة والصوت والعناصر المحيطة بها، من الطبيعة إلى البشر، بما يمنح الفيلم لغته الخاصة وذلك ضمن الماستر كلاس الخاص به بمهرجان الجونة.
وأوضح أن ما يشغله هو كيفية توظيف أدوات السينما لخلق تجربة فنية مختلفة، قائلًا: «عندي إيمان بأن السينما التي تحاول أن تحاكي الواقع بشكل دقيق وحرفي لا تهمني، ما يهمني هو كيف تمزج أشياء في علاقة شاعرية داخل إطار الصورة، وكيف تخلق عالمًا خاصًا بك داخل الفيلم، من شمس وطيور وناس، وكيف تسخر أدوات السينما الخاصة وتشتغل على لغة السينما من صورة وصوت بلا حدود».
وأشار بنسعيدي إلى أن الصوت قد يمتلك في بعض الأحيان قدرة تعبيرية تتجاوز الصورة، معربًا عن رفضه للسينما التي تمنح الكتابة الأدبية الأولوية على حساب اللغة البصرية والسمعية، وانتقد غلبة النزعة الأدبية على تجارب عدد من صناع الأفلام، قائلًا: «أعتقد أن أغلب السينمائيين أدباء، وبكل أسف روائيون».
وأضاف أن جوهر السينما لا يكمن في الكلمات المكتوبة بقدر ما يتجلى في الطريقة التي تتحول بها الكتابة إلى لغة سينمائية، موضحًا: «أعتقد أن السينما موجودة في الفاصلة والنقطة، السينما مش في الكلمات اللي بتتكتب، ولكن في الشكل اللي ممكن تديه للكتابة».
وفي حديثه عن العلاقة بين الكتابة والإخراج، لفت إلى أن امتلاك المخرج موهبة أدبية قد يمنحه فرصًا أكبر لتنفيذ مشروعاته، خاصة أن جهات الدعم والمنتجين يعتمدون على السيناريوهات في تقييم الأعمال واختيار ما يستحق التمويل والإنتاج.
وأوضح أن القدرة على الكتابة تتيح لصاحبها تطوير أفكاره والوصول بها إلى الشاشة، وقد تمنحه أفضلية على مخرج آخر يمتلك مهارات إخراجية جيدة، في إشارة إلى الدور الذي تلعبه الكتابة في تحديد فرص العمل داخل صناعة السينما.
بنسعيدي: التحدي الحقيقي هو صناعة صورة تحمل معنى
وتطرق المخرج المغربي إلى التحديات التي يفرضها التطور التكنولوجي المتسارع، في ظل الإنتاج الهائل للصور والأصوات، مؤكدًا أن علاقته بالصورة تمثل أحد الأسئلة الأساسية في تجربته الفنية، لا سيما أنه عاش مرحلة كانت فيها الصورة أكثر ندرة، وكان ينظر إلى صناعتها باعتبارها فعلًا يستحق التقديس.
وأشار إلى أن السؤال الأهم بالنسبة إليه اليوم يتمثل في كيفية صناعة صورة ذات معنى وسط عالم ينتج ملايين الصور والأصوات يوميًا، موضحًا أن التطور التقني أتاح تقديم أعمال تبدو مبهرة من الناحية البصرية، رغم افتقارها أحيانًا إلى العمق الفني والرؤية الواضحة.
وحذر بنسعيدي من أن الإمكانات التقنية المرتفعة قد تخفي وراءها ضعفًا فنيًا، معتبرًا أن الانبهار بالتكنولوجيا قد يدفع بعض المخرجين الشباب إلى التركيز على جودة الصورة والمؤثرات على حساب السؤال الأهم: لماذا نصنع الفيلم، وما الذي نريد تقديمه من خلاله؟
وشدد على ضرورة أن تحمل الصورة السينمائية فكرة ومعنى، منتقدًا الأعمال التي تفتقر إلى بداية ونهاية واضحتين، ولا تمنح المشاهد فرصة لفهم العالم الذي تقدمه، داعيًا الأجيال الجديدة إلى تجاوز حدود الإمكانات التقنية والتمسك برؤية فنية واضحة تبرر اختياراتها.
وأكد أن السينما تستحق مكانة خاصة، وأن على صناعها إدراك قيمة ما يقدمونه، مشيرًا إلى أن الصناعة شهدت تحولات كبيرة في الرؤية وأساليب الإنتاج، حتى أصبحت تجربة صناعة الفيلم، من وجهة نظره، أكثر تنظيمًا وتوقعًا، بعدما كانت تقوم على المغامرة والاكتشاف.
وأعرب بنسعيدي عن تشاؤمه إزاء بعض الاتجاهات السائدة في السينما حاليًا، معتبرًا أن الأفلام باتت تقلد المسلسلات، بعدما كانت الدراما التلفزيونية تستلهم أساليب السينما في مراحل سابقة. وربط مخاوفه أيضًا بالمشهد السياسي العالمي وما وصفه بالنزعة نحو التحكم، لكنه أكد احتفاظه بالأمل في الأجيال الجديدة من صناع الأفلام.
ودعا الشباب العاملين في المجال إلى التأمل في التغيرات التي يشهدها العالم، وإعادة النظر في إيقاع الحياة المتسارع، مشددًا على أهمية استعادة السينما مساحة من الهدوء والتأمل، بدلًا من الاعتماد المفرط على الإيقاع السريع وتتابع اللقطات الذي قد يحرم المشاهد من الإحساس بالمكان وتفاصيله.
وأوضح أن بعض الأفلام الحديثة تعتمد على الانتقال السريع بين اللقطات إلى درجة تجعل استيعاب المكان وبناء علاقة حقيقية معه أمرًا صعبًا، مؤكدًا أن السينما لا ينبغي أن تتحول إلى سباق تقني أو بصري، بل يجب أن تمنح المشاهد الوقت الكافي للتأمل والتفاعل مع الصورة.
واختتم بنسعيدي حديثه بالتأكيد على إيمانه بالأفلام التي تمنح الصورة مساحتها الزمنية، وتتيح للمشاهد التفاعل مع تفاصيلها، قائلًا: «اعتقادي العميق في السينما أن الأفلام صاحبة الإيقاع البطيء والمشاهد الطويلة هي أفلام تطيل العمر».