فوائد بقاء المسلم على الوضوء طوال الوقت وفضلها، من الأمور الشرعية التي يكثر البحث عنها، حيث سأل سائل: “ما حكم المحافظة على الوضوء ليبقى المسلم على طهارة دائمًا وطوال الوقت؟”.
قالت دار الإفتاء إن بقاء المكلف متوضئًا طول الوقت أمرٌ مستحب شرعًا؛ فيسن الإكثار من الوضوء واستدامته، وتجديده مرة بعد مرة؛ ففي ذلك خير كثير؛ بالإضافة إلى أن المسلم يزداد به نورًا على نور.
وبينت أن الطهارة من سنن الفطرة؛ فالإنسان يميل بفطرته إلى النظافة ولوازمها، وينفر بطبعه ممَّا عداها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الْخِتان، والاسْتِحْدَاد، وَنْتفُ الإِبط، وَتَقْليمُ الأظَافِر، وَقَصُّ الشَّاربِ» متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، والناظر في هذه الأشياء يجد أنها جميعًا تُحقّقُ النظافة والطهارة.
ولمَّا كان الإسلام دين الفطرة فقد حث على الطهارة والمحافظة على النظافة، وقرَّر أنَّ الطهارة لها فضل عظيم؛ ولذا أخبر الله تعالى أنه يحب المتطهرين؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]؛ وجاء في "بحر المذهب" للإمام الروياني الشافعي (1/ 301، ط. دار الكتب العلمية): [إذا توضأ بنية الحدث فقد استفاد فضل الطهارة] اهـ.
ومن هنا استحبت الشريعة الإسلامية أن يحافظ المسلم على وضوئه ما استطاع؛ فعنْ عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» رواه ابن ماجه في "السنن"، والإمام أحمد في "المسند" عن ثوبان رضي الله عنه.
المحافظة على الوضوء تكون بأن يتوضأ المكلف كلما أحدث كما كان يفعل سيدنا بلال رضي الله عنه؛ فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «سَمِعْتُ فِي الْجَنَّةِ خَشْخَشَةً أَمَامِي، فَقُلْتُ، مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: بِلَالٌ» فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: «بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا تَوَضَّأْتُ.
كما تكون المحافظة أيضًا بالإكثار من الوضوء سواء كان الشخص متوضئًا أم لا؛ لأن الوضوء عبادة مستقلة كما قرره الفقهاء والعلماء؛ قال العلامة بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (2/ 261، ط. دار إحياء التراث العربي): [إِن الْوضُوء عبَادَة وَإِن لم يُصَلِّ بِهِ] اهـ، وقال العلامة السندي في "حاشيته على سنن النسائي" (1/ 59، ط. مكتب المطبوعات الإسلامية): [الْوضُوء عبَادَة لورود الثَّوَاب عَلَيْهِ لفَاعِله مُطلقًا فِي الْأَحَادِيث وكل مَا هَذَا شَأْنه فَهُوَ عبَادَة] اهـ، ولأنه عبادة تغسل الذنوب وتزيد الحسنات؛ فقد روى الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُسْلِمُ ذَهَبَ الإِثْمُ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ».
وفي حاشية ابن عابدين "رد المحتار" (1/ 93، ط. دار الفكر): [روى أحمد بإسناد حسن مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء» يعني: ولو كانوا غير محدثين.
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه مرفوعًا: «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ» ولم يقيد الشارح باختلاف المجلس تبعًا لظاهر الحديث] اهـ.
وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن كَثِيرِ بنِ عَبْدِ اللهِ أبي هَاشِمٍ النَّاجِيّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «يَا بُنَيَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ أَبَدًا عَلَى وُضُوءٍ فَافْعَلْ..».
فهذه النصوص كما تفيد استحباب بقاء الإنسان متوضئًا طول الوقت، فإنها تفيد أيضًا في الجملة استحباب تجديد الوضوء ولو كان الإنسان متوضئًا، وذلك على تفصيل في المذاهب، وقد تواردت الأدلة على ذلك؛ فمنها: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ» رواه القاسم بن سلام في كتاب "الطهور".
ومنها: ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ فِي الرَّحْبَةِ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، ثُمَّ شَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ، هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَعَلَ"، وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" (1/ 469-470، ط. دار الفكر): [اتفق أصحابنا على استحباب تجديد الوضوء وهو أن يكون على وضوء ثم يتوضأ من غير أن يحدث ومتى يستحب: فيه خمسة أوجه: أصحها إن صلى بالوضوء الأول فرضًا أو نفلًا استحب.. والخامس: يستحب التجديد ولو لم يفعل بالوضوء الأول شيئًا أصلًا؛ حكاه إمام الحرمين] اهـ.
وتلك العبادة كانت من أخلاق السلف الصالح؛ فقد روى القاسم بن سلام عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، قَالَ: "كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا اللَّيْلَ بِالْوُضُوءِ، كَمَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا النَّهَارَ بِالْوُضُوءِ".
بقاء الإنسان متوضئًا طوال وقته له فضائل وفوائد كثيرة:
منها: أنه يجنبه شر الشيطان؛ قال رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» رواه الإمام أحمد وأبو داود؛ وجاء في "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح" (ص: 85، ط. دار الكتب العلمية) مبينًا الأحوال التي يتوضأ لها: [قوله: "ولغضب"؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» رواه الإمام أحمد وأبو داود في "الأدب"، أي: ولو كان متوضئًا، فإنْ اشتدّ الغضب ندب له الغسل. قاله في "مواهب القدير"] اهـ.
وأورد الإمام البجيرمي أن المراد بالوضوء المسنون عند الغضب: هو الوضوء التام كوضوء الصلاة ولو كان على وضوء؛ فقال في "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" (1/ 179، ط. دار الفكر): [قال الراغب: والغضب ثوران دم القلب عند إرادة الانتقام، وسببه: هجوم ما تكره النفس ممّن هو دونها أو مثلها. قوله: (والمراد بالوضوء) أي: في جميع هذه المواضع. قوله: (لا اللغوي) الذي هو مجرد غسل اليدين] اهـ.
ومنها: أن بقاء المسلم متوضئًا يزيد عمره ويحبب فيه الملائكة؛ فقد روى الطبراني في "المعجم الأوسط" و"المعجم الصغير" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لسيدنا أنس رضي الله عنه: «يَا بُنَيَّ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ يَزِدْ فِي عُمُرِكَ، وَيُحِبُّكَ حَافِظَاكَ».
ومنها: أن بقاء المسلم متوضئًا يذهب عنه الآثام؛ ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في "مسنده" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الْمُسْلِمُ ذَهَبَ الإِثْمُ مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ».