فنادق الحشرات في المحميات السعودية! – د. أريج بنت عبدالكريم بن حمود الخلف

المحمياتُ الطبيعية ليست مجرد مساحات تُرسم حدودها على الخرائط، ولا أراضي تُترك للكائنات لتعيش فيها بعيدًا عن الإنسان؛ إنها عهدٌ بين الإنسان والطبيعة، وذاكرةٌ حية للأرض، ووعدٌ بأن تبقى للحياة أماكنها التي تنمو فيها بحرية وأمان. وفي المملكة العربية السعودية، حيث تتنوع البيئات بين الصحاري والجبال والأودية والروضات والسواحل والجزر، تمثل المحميات الطبيعية ثروة وطنية وبيئية تحفظ مشاهد من الطبيعة في صورتها الأكثر أصالة، وتصون تنوعًا أحيائيًا تشكل عبر أزمنة طويلة.

وتمثل المحميات رؤية متقدمة لحماية الطبيعة؛ رؤية لا تقيس قيمة الحياة بحجم الكائن أو جماله في أعيننا، وإنما بالدور الذي يؤديه في المنظومة كلها. فهي لا تحمي الكائنات الكبيرة والمشهورة فقط، من حيواناتِ ونباتاتِ البراري، بل تحفظ السلسلة الخفية من الكائنات الصغيرة التي تقوم عليها أجزاء واسعة من الحياة. حيث تمثل مختبرات طبيعية مفتوحة تمنح الباحثين فرصة دراسة التنوع الحيوي وسلوك الأنواع وعلاقاتها في بيئاتها الأصلية، واكتشاف أشكال من الحياة لا يزال كثير منها بحاجة إلى التوثيق والدراسة.

إنها تحمي التفاصيل التي تصنع الصورة الكبرى. خصوصًا في عالم الحشرات الذي يزخر بتنوع هائل لم تُكشف جميع أسراره بعد. فهي لا تحرس ما تراه العين فقط، بل تحرس ما قد لا تراه؛ بيضة صغيرة بين أوراق نبات، ويرقة تختبئ في التربة، ونحلة تبحث عن زهرة، وخنفساء تعمل بصمت، وكائنًا دقيقًا يشارك في إعادة الحياة إلى الأرض.

المحميات الطبيعية؛ النموذج السعودي للاستدامة البيئية

تأتي عظمة المحميات الطبيعية في المملكة العربية السعودية، وخاصة المحميات الملكية؛ في أنها ليست فقط ملاذًا للحياة البرية، بل استثماراً في المعرفة، وصوناً للتنوع الأحيائي، وحمايةً للتوازن البيئي، ومسؤوليةً تجاه الأجيال القادمة. وأجمل ما يميزها أنها لا تنتمي إلى بيئة واحدة؛ ما جعل حماية الطبيعة مشروعًا وطنيًا متكاملًا يتنامى في ظل رؤية السعودية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء. وذلك من خلال التوسع في المناطق المحمية، وتأهيل الموائل، وإعادة توطين الأنواع المحلية من حيوان ونبات، ودعم البحث والرصد البيئي، وصولًا إلى مستهدف حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030.

علاوةً على ذلك فإن المحميات تعد مختبراً طبيعياً حياً يجمع حماية التنوع الأحيائي، وإعادة تأهيل الموائل، وإكثار الأنواع، والبحث العلمي، والتوعية، وإتاحة الطبيعة للمجتمع؛ ولذلك فهي مثال جميل ينقلنا من مفهوم حماية الكائنات إلى إدارة النظم البيئية واستعادتها والمحافظة عليها للأجيال القادمة. وقد أسهمت جهود المملكة بالفعل في إعادة أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى موائلها الطبيعية، ضمن برامج علمية لإكثار الأنواع، وإعادة توطينها، وتأهيل البيئات لها ورصدها.

ويصل إجمالي مساحات المحميات الملكية في المملكة إلى حوالي 300 ألف كلم²، وهي محمية الإمام عبدالعزيز بن محمد الملكية، ومحمية الإمام سعود بن عبدالعزيز الملكية، ومحمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، ومحمية الملك عبدالعزيز الملكية، ومحمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية، ومحمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، ومحمية الإمام فيصل بن تركي الملكية كأكبر محمية تمتاز بغطائها النباتي المتنوع، ومحمية الملك خالد الملكية.

إذا كانت أعيننا تنجذب غالبًا إلى الغزلان حين تعدو، والطيور حين تحلق، والنباتات حين تزهر، فإن هناك عالمًا آخر يعمل في صمت، لا يقل أهمية عن كل ما نراه؛ إنه عالم الحشرات؛ تلك الكائنات الصغيرة التي قد لا تلفت النظر، لكنها تؤدي أدوارًا لا غنى عنها في استمرار النظم البيئية؛ فالنحلة تنتقل بين الأزهار حاملة حبوب اللقاح، والفراشة تسهم في تلقيح النباتات، والخنافس وكثير من الحشرات المحللة تشارك في تفكيك المواد العضوية وإعادة العناصر الغذائية إلى التربة، بينما تساعد الحشرات المفترسة والطفيليات النافعة في تنظيم أعداد كثير من الآفات. فالحشرة ليست هامشًا في كتاب الطبيعة؛ إنها كلمة في صلبه، وحلقة في شبكة مترابطة، واختفاؤها قد يترك أثرًا يتجاوز حجمها آلاف المرات.

لذا تأتي في مكان آخر من المنظومة؛ فنادق الحشرات لتمنح ملقحات وحشرات نافعة أخرى فرصة للعيش والتكاثر. وهي ليست بديلًا عن البيئة الطبيعية، ولا تستهدف جمع الحشرات أو حبسها، بل توفر عناصر مأوى قد تفتقدها بعض المواقع المتدهورة. وهناك نماذج مبهرة منها حول العالم، بعضها تحوّل من مجرد ملجأٍ للحشرات إلى عمل معماري وفكرة بيئية وتعليمية، فقد انتشرت فنادق الحشرات في الحدائق والمحميات والمرافق التعليمية حول العالم، مثل Grand Bugapest hotel في بريطانيا، وفنادق Mandai في سنغافورة، وأخرى في أستراليا في حديقة جامعة ملبورن، وفي شيكاغو في الولايات المتحدة وأيضاً في أوروبا.

وفي المملكة العربية السعودية؛ أنشأت هيئة تطوير محمية الإمام عبدالعزيز بن محمد الملكية ثمانية موائل للتنوع الأحيائي للحشرات، أطلقت عليها فنادق الحشرات؛ بعد دراسة المواقع الأنسب لجذبها. إن حماية الحشرات ليست ترفًا بيئيًا، بل هي حماية للتلقيح والتربة والنبات والسلاسل الغذائية والتوازن الطبيعي، وحفظٌ لمخزون هائل من التنوع والمعرفة لم يكتشف العلم جميع أسراره بعد.

قد يبدو غريبًا أن نتحدث عن فنادق لا تستقبل البشر، ولا تُقاس فخامتها بعدد النجوم، وإنما بقدرتها على توفير مأوى لكائنات صغيرة تصنع أثرًا كبيرًا في الحياة. إنها فنادق الحشرات؛ وهي منشآت اصطناعية تبنى لتوفير مواقع مأوى للتعشيش والاختباء والتكاثر لبعض الحشرات، ولا سيما الملقحات في البيئات التي تراجعت فيها الموائل المناسبة وبعض الموارد الطبيعية نتيجة الرعي الجائر أو الاحتطاب أو الملوثات والتغيرات المناخية. وتحاكي بعض الملاجئ الطبيعية التي تحتاج إليها الحشرات، وتتنوع نماذجها بين هياكل بسيطة من الخشب والخيزران الخشب والأغصان والمواد النباتية أو الطوب والحجارة وغيرها بتصاميم معمارية وفنية كبيرة.

إن فندق الحشرات لا يصنع التنوع الأحيائي من العدم، وإنما يدعم الظروف التي تسمح للحشرات الموجودة في البيئة بالاستقرار والتكاثر. ولهذا فإنه رغم صغر حجمه، يدخل في فلسفة أكبر بكثير من حجمه المادي. بناء مأوى صغير لكائنات صغيرة، من أجل حياة أكبر في بيئة أوسع. ولهذا فإن المحمية بالنسبة للحشرات ليست مجرد مكان آمن، بل موطن كامل للحياة؛ فيها النبات المضيف، ومصدر الغذاء، وموقع التكاثر، والمأوى، والعلاقات البيئية التي تسمح للأنواع بأن تستمر وتؤدي أدوارها في البيئة.

وهذا مهم خصوصًا للأجيال الجديدة؛ فحين يرى الطفل فندق الحشرات ويتعلم أن للنحلة والخنفساء والدبور والذباب الملقح وظيفةً في الطبيعة، يبدأ في فهم البيئة باعتبارها شبكة من العلاقات، لا مجرد مجموعة من الحيوانات والنباتات المنفصلة. وبذلك يصبح الاهتمام بالحشرات جزءًا من التربية البيئية. والأجمل أن يفهم أن حماية هذه الكائنات الصغيرة لا تعود فائدتها عليها وحدها؛ فحين نحمي النحلة، نحمي التلقيح، وحين نحمي الحشرات المحللة، نحمي خصوبة التربة ودورة العناصر، وحين نحمي الحشرات التي تفترس الآفات، فإننا ندعم التوازن الطبيعي للنظام البيئي.