فلسفة الأبوة بين الحب.. والاستقلال.. وشجاعة التخلّي – د. صالح بن إبراهيم  السكاكر

سيتركك طفلك يومًا! نعم، ذلك الطفل الذي كان يمد يده الصغيرة إليك لأنه لا يعرف كيف يمشي وحده، سيأتي يوم يمشي فيه بعيدًا عنك دون أن يحتاج إلى يدك، ذلك الذي كان يمسك يدك بعد الصلاة، ويضغط عليها بأصابعه الصغيرة كأن العالم كله يمكن اختصاره في تلك اليد؛ سيكبر، وستصبح له يدان قادرتان على مواجهة العالم دونك، ذلك الذي كان يخاف فيبحث عنك، ويسقط فيركض إليك، ويبكي فيناديك، ويسألك لأنه يعتقد أنك تعرف إجابات كل شيء سيأتي يوم لا يسألك فيه! ليس لأنه لم يعد يحبك بل لأنه تعلّم الإجابة، وهنا تبدأ واحدة من أكثر الحقائق قسوةً وجمالًا في حياة الإنسان: أن نجاحك في تربية ابنك يعني، في نهاية الأمر، أن يصبح قادرًا على الاستغناء عنك.

يا لها من مفارقة، نقضي أجمل سنوات أعمارنا ونحن نعلّم أبناءنا كيف يعيشون، ثم نتألم عندما يتعلمون، نعلّمهم المشي، ثم نحزن حين يمشون بعيدًا، نعلّمهم الاختيار، ثم نتضايق عندما يختارون ما لم نختره لهم، نعلّمهم القوة، ثم نفاجأ عندما لا يعودون بحاجة إلى قوتنا، فماذا كنا نريد حقًا؟ هل أردنا أن نصنع إنسانًا أم أردنا أن نصنع إنسانًا يحتاج إلينا إلى الأبد؟ وهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا: هل نحب أبناءنا لأننا نريد سعادتهم، أم لأن وجودهم حولنا يمنحنا نحن السعادة؟ ربما الاثنان معًا، والإنسان أكثر تعقيدًا من أن تكون دوافعه نقية تمامًا كما يذكر ذلك دوستويفسكي، فنحن حين نحب أبناءنا، لا نمنحهم فقط؛ نحن نأخذ منهم أيضًا نأخذ معنىً لأيامنا، سببًا للاستيقاظ، ضحكةً في البيت، صوتًا ينادينا: أبي.. أمي، نأخذ شعورًا خفيًا بأن هناك إنسانًا في هذا العالم يحتاج إلينا وربما كان شعور الإنسان بأنه مطلوب أحد أكثر الأشياء التي تمنحه معنىً لوجوده، ولهذا حين يكبر الأبناء، لا يؤلمنا ابتعادهم وحده بل يؤلمنا السؤال الذي يتركونه خلفهم وماذا أفعل الآن بكل هذا الحب؟

في طفولته كان يمسك يدك كي لا يسقط، ثم كبر وأفلت يدك، وهنا قد ترتكب خطأً بالغ القسوة دون أن تشعر، أن تفسر إفلاته ليدك على أنه جحود! لكن ماذا لو كان إفلاته ليدك هو أعظم دليل على أنك أحسنت الإمساك بها؟ ماذا لو كانت كل السنوات التي أمضيتها إلى جواره تهدف إلى هذه اللحظة تحديدًا؟ لقد كنت تمسكه لكي يتعلم كيف يمشي وحده، فلماذا تغضب عندما يمشي؟ لقد كنت تعلّمه كيف يفكر فلماذا تحزن عندما يصبح له رأي لا يشبه رأيك؟ فلماذا يؤلمك حين لا يعود ضعيفًا أمامك؟ ربما لأننا نخلط، من حيث لا نشعر، بين الحب والحاجة، نحب أن يحتاج إلينا أبناؤنا؛ لأن حاجتهم إلينا تجعل مكانتنا واضحة، أما حين يصبح الابن مستقلًا، فإن الحب يدخل امتحانًا أكثر صعوبة: هل تستطيع أن تحبه عندما لا يعود محتاجًا إليك؟ وهنا يظهر الفرق بين أن يحبك ابنك، وأن يحتاج إليك، فأجمل أبناء الدنيا ليس ذلك الذي لا يستطيع العيش من دون أبيه وأمه، وإنما ذلك الذي يستطيع العيش من دونهما، ثم يعود إليهما لأنه يريد العودة، يجلس معهما لأنه يحب الجلوس، يسألهما لأنه يحترم رأيهما، يزورهما لأنه يشتاق إمساك يديهما بعدما كبر، لا لأنه يخاف السقوط، بل لأنه يعرف قيمة اليد التي أمسكت به عندما كان يسقط، ذلك هو الحب الناضج أن يتحول الاحتياج إلى اختيار.

لكن هناك مأساة أخرى لا نتحدث عنها كثيرًا: ماذا يحدث للأب والأم بعد أن يكبر الأبناء؟ ماذا يحدث لذلك البيت الذي عاش عشرين أو ثلاثين سنة حول احتياجاتهم؟ غرفة كانت مليئة بالملابس تصبح مرتبة أكثر مما ينبغي، كرسي على المائدة يصبح فارغًا، صوت كان يزعجك أحيانًا تصبح مستعدًا لأن تدفع الكثير كي تسمعه مرة أخرى، أبواب كانت تُفتح وتُغلق طوال اليوم تصبح ساكنة، أن الضجيج الذي كان يشكو منه كان حياة، وهنا قد يجلس الأب أو الأم في ذلك الهدوء ويسأل: من أنا الآن؟ سؤال مخيف لأن بعض الآباء والأمهات يقضون سنوات طويلة وهم يبنون أبناءهم، وينسون أن يستمروا في بناء أنفسهم، تتحول حياتهم كلها إلى الأبناء، أحلامهم هي أحلام الأبناء، سعادتهم هي نجاح الأبناء، حزنهم هو حزن الأبناء، مواعيدهم، سفرهم، مالهم، بيوتهم، وحتى أحاديثهم.. كلها تدور حول الأبناء ثم يكبر الأبناء ويرحلون إلى حياتهم وفجأة يكتشف الوالدان أنهما لا يعرفان كيف يعيشان حياتهما وهنا يولد أخطر أنواع الحب، الحب الذي يتحول إلى مطالبة: لقد أفنيت عمري لأجلك، لقد أعطيتك كل شيء، قد لا نقول هذه الكلمات صراحة، لكنها قد تسكن نظراتنا وصمتنا وعتابنا، وكأن هناك دفتر حساب قديمًا، لم نخبر أبناءنا بوجوده، دفتر كتبنا فيه كل ليلة سهرناها، وكل مال أنفقناه، وكل رحلة ألغيناها، وكل حلم أجلناه ثم عندما يكبر الأبناء، نقدم إليهم الفاتورة ونقول لهم بصمت: حان وقت السداد، لكن من قال إن الأبوة دَين؟ ومن قال إن الطفل حين وُلد وقّع معنا عقدًا يتعهد فيه أن يعيد إلينا أعمارنا؟ إن أعطيته عشرين سنة من عمرك، فلا تطلب منه عشرين سنة من عمره، وإن سهرت لأجله طفلًا، فلا تجعل شيخوختك عقوبةً على شبابه، وإن حملته يومًا لأنه لم يكن يستطيع المشي، فلا تطلب منه أن يتوقف عن السير حين يصبح قادرًا عليه، الحب الذي يحصي تضحياته يتحول، دون أن يشعر، إلى تجارة والأبوة أعظم من التجارة لذلك ربما كانت أجمل جملة يستطيع أب أن يقولها لابنه: لقد أعطيتك من عمري.. لكي يصبح لك عمرك أنت لا لكي تعيده إليّ ولا لكي تعيشه بالطريقة التي أريدها ولا لكي تبقى إلى جواري لأنني أخاف الوحدة، أعطيتك من عمري لكي يصبح لك عمر تستطيع أن تقف فيه وحدك أمام الحياة.

تأمل الطبيعة، الطائر لا يبني العش لكي يبقى صغيره فيه إلى الأبد، إنه يبنيه لأن الصغير لم يتعلم الطيران بعد، ثم يأتي اليوم الذي يقف فيه ذلك الصغير على حافة العش، ولعل تلك اللحظة هي أصعب لحظة في حياة كل من يربي، لأن الجناحين اللذين ساعدت على نموهما أصبحا الآن قادرين على حمل من تحب بعيدًا عنك، لكن هل تكسر جناحيه لكي يبقى؟ إذا فعلت ذلك فلن تكون قد أحببته ستكون قد أحببت وجوده بجوارك، وهناك فرق هائل بين الأمرين الحب يقول: اذهب، حتى لو أوجعني ذهابك، والتملك يقول ابقَ، حتى لو أوجعك البقاء وهنا يُمتحن الإنسان، ليس في قدرته على التضحية من أجل أبنائه فقط، بل في قدرته على ألا يحوّل تلك التضحية إلى سلاسل.