في خمسينيات القرن الماضي، نُسب إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون فوستر دالاس قولٌ مفاده إن الفلسطينيين كانوا ضحية وجودهم تحت أقدام «الفيلة»، وإن الكبار منهم سيموتون، وإن الأجيال الجديدة ستنسى. وبصرف النظر عن دقة نسبة العبارة إليه وسياقها التاريخي، فقد أصبحت هذه الفكرة رمزاً لنظرة سياسية سادت زمناً، مفادها أن الزمن كفيل بمحو فلسطين من الذاكرة، وتحويل شعبها إلى مجرد قضية لاجئين، ثم إلى قضية إنسانية، ثم إلى ذكرى تاريخية تذوب تدريجياً في خرائط المنطقة الجديدة.
فبعد نكبة عام 1948، لم يختف الفلسطينيون، ولم تتحول فلسطين إلى صفحة مطوية. اقتُلع مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من مدنهم وقراهم، وتوزعوا بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية وبلدان الشتات، لكن الاقتلاع من المكان لم يؤدِّ إلى اقتلاع الهوية. حمل الفلسطيني معه اسم قريته ومدينته ومفتاح بيته وذاكرته، وحافظ على انتمائه الوطني جيلاً بعد جيل.
وكانت إحدى أخطر محاولات التعامل مع القضية الفلسطينية تتمثل في اختزالها في مشكلة لاجئين تحتاج إلى إغاثة وتوطين، بدلاً من الاعتراف بها باعتبارها قضية شعب صاحب حق في تقرير مصيره واستعادة أرضه وبناء دولته. غير أن الفلسطينيين رفضوا هذا الاختزال عملياً وسياسياً، وأعادوا بناء شخصيتهم الوطنية من قلب المأساة.
وهنا تكمن أهمية التحول التاريخي الذي قاد إلى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. فقد مثل قيام المنظمة لحظة مفصلية في استعادة الشخصية السياسية الفلسطينية المستقلة، بعد أن كانت فلسطين كثيراً ما تُدار قضيتها من خلال حسابات الدول وموازين القوى الإقليمية والدولية. ومع تطور المنظمة، أصبحت الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في الوطن والشتات، ومجالاً لتجسيد إرادتهم السياسية المستقلة.
ولم يكن هذا التطور شأناً فلسطينياً داخلياً فقط. ففي قمة الرباط العربية عام 1974، اعترف القادة العرب بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وفي العام نفسه أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3236، الذي أكد الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة والعودة. ثم منحت الجمعية العامة منظمة التحرير صفة مراقب لدى الأمم المتحدة بموجب القرار 3237.
وبذلك انتقلت القضية الفلسطينية من كونها مجرد مأساة شعب مهجر إلى قضية شعب له شخصية سياسية معترف بها، وحقوق وطنية وقانونية، وممثل وطني يحمل هذه الحقوق في المحافل العربية والدولية.
وهذه الحقيقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تفصيلاً تاريخياً يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية مقبلة، لأن المسألة تتصل بجوهر الكيانية الفلسطينية ذاتها.
لقد تشكل النظام السياسي العربي الحديث في أعقاب الحرب العالمية الأولى ضمن منظومة الانتدابات والحدود التي أعادت رسم المشرق العربي، فتجزأ المجال العربي إلى كيانات سياسية متعددة. ولم تكن هذه التجزئة وحدها سبب المأساة الفلسطينية، لكنها أسهمت في إضعاف المجال السياسي العربي المشترك، بينما سارت فلسطين في مسار مختلف؛ إذ لم تُمنح فرصة الاستقلال الوطني، بل أصبحت أرضها ميداناً لمشروع استيطاني إسرائيلي مدعوم بقوى دولية كبرى.
وفي مراحل لاحقة، تحولت القضية الفلسطينية أحياناً إلى ورقة في صراعات إقليمية، وتداخلت مصالح الدول مع المصالح الوطنية الفلسطينية. ولذلك كان بناء القرار الوطني الفلسطيني المستقل ضرورة تاريخية، لا ترفاً سياسياً. فالقضية التي لا يملك شعبها تمثيلها وقرارها تصبح عرضة لأن يتحدث الآخرون باسمها، وأن تُرسم حدود مصالحها وفقاً لمصالح غيرها.
ومن هنا أيضاً يجب فهم منظمة التحرير الفلسطينية. فهي ليست حزباً سياسياً عادياً، ولا فصيلاً من بين الفصائل، ولا مؤسسة قابلة للاستبدال كلما تغيرت موازين القوى الداخلية. إنها الإطار السياسي والتمثيلي الذي نشأ تاريخياً للتعبير عن وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
وهذا لا يعني تجميد المنظمة أو تحويلها إلى مؤسسة مغلقة. على العكس، فإن حماية دورها تقتضي إعادة بنائها وتجديد مؤسساتها وتوسيع قاعدة تمثيلها وإعادة الاعتبار للديمقراطية داخلها، وإشراك مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية، وفق قواعد وطنية وديمقراطية واضحة. فالتمثيل الوطني لا يُحمى بإقصاء أحد، وإنما بتوسيع المشاركة تحت سقف وطني جامع.
ومن الضروري هنا التمييز بين التعددية السياسية المشروعة وبين تعدد المرجعيات الوطنية. من حق كل فصيل أو تيار فلسطيني أن تكون له رؤيته وبرنامجه وأدواته السياسية، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى أطر تمثيلية موازية لمنظمة التحرير يهدد جوهر الشخصية السياسية الفلسطينية. ولا ينبغي أن يُقاس الأمر بالشعارات التي ترفعها أي جهة أو بمرجعيتها الفكرية، وإنما بالنتيجة السياسية التي يفضي إليها مسارها: هل يعزز وحدة التمثيل الفلسطيني أم يضعفها؟
فكل مسار يؤدي موضوعياً إلى إضعاف التمثيل الوطني الواحد، بصرف النظر عن دوافعه وشعاراته، يعيد القضية إلى المربع الذي ناضل الفلسطينيون طويلاً للخروج منه: مربع أن يصبح مستقبل فلسطين موضوعاً تتقرر عناصره من خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.
أما اتفاق أوسلو عام 1993، فقد أدخل القضية في مرحلة جديدة، وأفضى إلى اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل»، وإلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها سلطة حكم ذاتي انتقالي. وهنا ينبغي عدم الخلط بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية: المنظمة هي الإطار الوطني التمثيلي للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، بينما السلطة نشأت بوصفها ترتيباَ انتقالياً لإدارة أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة في انتظار تسوية قضايا الحل النهائي، ومنها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والأمن.
وقد أثبتت التجربة اللاحقة أن إبقاء المرحلة الانتقالية بلا نهاية، مع استمرار الاحتلال والاستيطان وغياب التسوية النهائية، أدى إلى تشوه العلاقة بين السلطة والمنظمة، وأوجد واقعاً سياسياً يحتاج إلى إعادة بناء على أساس واضح: منظمة تحرير قوية ومتجددة، وسلطة وطنية موحدة، ودولة فلسطينية ذات سيادة.
ثم جاءت الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007 ليضيف إلى الأزمة الوطنية بعداً أخطر، حين انقسم النظام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم يعد الانقسام مجرد خلاف بين فصيلين، بل أصبح انقساماً في المؤسسات والقرار والسلطة والجغرافيا، وهو ما أضعف القدرة الفلسطينية على إدارة الصراع الوطني وعلى مخاطبة العالم بوصف الفلسطينيين شعباً واحداً له قيادة وتمثيل ونظام سياسي واحد.
ولهذا فإن إنهاء الانقسام لا ينبغي أن يكون مجرد تسوية مؤقتة بين القوى والفصائل، ولا توزيعاً جديداً للسلطة، وإنما عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كله على قاعدة وحدة الأرض والشعب والقرار والتمثيل.