في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات.
تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ.
تمتد منطقة القصيم في قلب نجد على واحات متصلة من النخيل والمزارع، وكانت منذ القدم ملتقى لطرق القوافل التجارية وطرق الحج. وتقع عنيزة في هذا الإقليم على رواسب غرينية جنوب وادي الرمة، تحيط بها الكثبان الرملية والمزارع من الشمال والغرب والجنوب. وقد وصفها الرحالة سادلر الذي مر بها عام 1235هـ الموافق 1820م بأنها قصبة الجزيرة العربية جغرافيًا وسياسيًا وتجاريًا، لأنها منطقة وصل بين الخليج العربي والبحر الأحمر تلتقي عندها عدة طرق.
وحين بحث الزائرون عن وصف لهذه المدينة الخضراء في قلب الصحراء، لقبها أمين الريحاني بـ»باريس نجد»، إعجابًا بمزارعها القديمة وبساتينها الوارفة. وقد ارتبط اسم المدينة بالزراعة منذ نشأتها، فكانت مزارعها مصدرًا رئيسًا للغذاء والعمل، وأسهمت في تشكيل التجمعات السكانية ونمو الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن بين هذه المزارع تبرز «الفلايح»، مجموعة من المزارع القديمة في وسط المحافظة، ما زالت تحتفظ بالكثير من عناصرها الأثرية والتراثية والتاريخية. وقد ظهرت أحياؤها الأولى، بحسب ما ذكره عدد من المؤرخين، عام 494هـ، ثم تشكلت من هذه الأحياء التي كانت قرى مستقلة مدينة عرفت باسم عنيزة عام 630هـ، وقيل 700هـ.
وقد ساعد موقع المدينة على سرعة ظهور هذه الأحياء وازدهارها، فهي تقع عند ملتقى طريق الحج القادم من اليمامة وطريق الحج القادم من العراق. ومن هنا نشأت فلايح عنيزة: بساتين تحيط بها الأسوار، وآبار تسقي النخيل، وبيوت طينية صغيرة تحرس المزرعة، تحكي عن أجداد صنعوا من أرض الصحراء مدينة.
أحياء وقرى
لم تنشأ عنيزة دفعة واحدة، فقد تكونت من مجموعة من القرى المستقلة التي نمت بجوار الآبار والمزارع، وكان حي الجناح من أقدم تلك الأحياء، وقيل إن المدينة انطلقت منه في مراحلها الأولى ثم امتدت وتوسعت. وبمرور الوقت تقاربت هذه الأحياء حتى اندمجت في مدينة واحدة ورثت اسمًا واحدًا.
ويفسر موقع عنيزة هذا النمو السريع؛ فهي عند ملتقى طريقي الحج من اليمامة ومن العراق، فتتوقف عندها القوافل لتتزود بالماء والغذاء. وكان لكل حي مزارعه وآباره، وكان الماء والنخيل والتمر عماد الحياة. ولهذا بقيت المزارع القديمة شاهدة على النشأة الأولى للمدينة، فهي الأرض التي استقر عليها الأوائل قبل أن تشيّد البيوت والأسواق.
حيطان الأسوار
تُسمى المزارع القديمة في عنيزة «الحيطان» و»الفلايح». وقد أوضح باحث الآثار محمد إبراهيم الزنيدي أن اسم «الحيطان» يطلق على المزارع والبساتين التي كانت تحاط بأسوار تحدد نطاقها، وتعرف محليًا بـ»الفلايح»، وأن أسماءها ارتبطت بمواقعها الجغرافية أو بأسماء ملاكها أو بما تضمه من معالم طبيعية وزراعية. والفلايح جمع فلاحة، وهو المصطلح الذي استخدمه أهل عنيزة للمزرعة.
وتتراوح مساحة الحايط عادة بين ألفين وعشرة آلاف متر مربع، وفيه بيت طيني صغير. ومن أبرز الحيطان التاريخية: حركان والبديع والأمير ومليحان وقليب ثابت والسالمية والعوجاء والضريبات والمزادة والردامة. وقد شكلت هذه المواقع جزءًا من الهوية المحلية والذاكرة العمرانية والاجتماعية للمحافظة. وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الحيطان القديمة بلغ نحو مئة حايط.
بين البيت والسانية
يتألف الحايط من عناصر متكاملة. فالسور الطيني يحيط بالنخيل ويحدد الملكية ويحمي الزرع، والبئر مصدر الماء، والبيت الطيني الصغير مأوى المزارع وأسرته. وكان الماء يُرفع من البئر بالسانية، وهي من أبرز المهن التقليدية المرتبطة بالحياة الزراعية في القصيم، قبل ظهور المضخات ووسائل الري الحديثة.
وفي السانية يُسحب «الغرب»، وهو وعاء جلدي، بحبل يعرف بـ»الرشا» تجره الإبل، ثم يُفرغ الماء في موضع مخصص ويوجّه إلى المزرعة والأحواض. وكانت السواني تحتاج إلى من يعرف كيف يتعامل مع الإبل والأدوات، وارتبطت كذلك بموروث شفهي وفني من الأهازيج. وتمثل اليوم عنصرًا مهمًا في سرد تاريخ القصيم، ولا سيما في المواقع التراثية التي تسعى إلى إبقاء الممارسات القديمة حية أمام الأجيال الجديدة.
مسجد الجوز
في مزرعة الفاخرية يقف مسجد الفاخرية المعروف بـ»مسجد الجوز»، أحد أقدم المعالم المعمارية في الفلايح. عُمّر المسجد عام 1237هـ، ويزيد عمره على مئتي عام. والجوز في عرف أهل نجد يعني الأشياء المزدوجة. ويقع المسجد في منطقة الأحياء القديمة التي تحيط بها المزارع والبساتين من أغلب الجهات.
بُني المسجد بالأدوات المحلية التقليدية من الطين والحصى، ويضم خلوة في قبو تتميز ببرودتها صيفًا ودفئها شتاءً وعزلها للأصوات والضجيج. وفي هذه العمارة تتجلى حكمة البنّائين القدامى الذين اعتمدوا على المواد القريبة وفهموا المناخ فصنعوا فضاءً صالحًا للعبادة والراحة. وهو واحد من أربعة مساجد تاريخية في الفلايح تشملها أعمال الترميم.
مزارع الذاكرة
تحمل المزارع القديمة في عنيزة أسماء ارتبطت بأشخاصها وأحداثها. فمن أشهرها مزرعة الدغيثرية المشهورة بالزراعة العضوية، ومزرعة الخياط أو «حايط الخياط»، وهي من أشهر المزارع المعمرة في عنيزة، وصاحبها الشاعر البطل علي بن رشيد الخياط، وقد آلت إلى أسرة الزنيدي فأحيوها ورفعوا ذكرها. ومنها كذلك الفاخرية والخالدية والعامرية والجهيمية وغشامة والغزيلية والغابية.
وقد توارت مزارع كثيرة مع التوسع العمراني، ومنها الجعيفري والطعيمية وهلالة وأم الخوابي. وبعد أن زالت أحياء عنيزة الطينية القديمة تحولت أنظار المهتمين إلى نخيل المدينة ومزارعها بوصفها ما بقي من ريفها. وكان إحياء الفلايح استجابة لهذه الدعوة؛ فصار ما بقي منها شاهدًا على ما اندثر.
فلايح اليوم
انطلقت لجنة الفلايح في عنيزة لتأهيل المزارع القديمة بنفس تصميمها السابق وطرق ريها القديمة، فبدأت بتأهيل ثماني عشرة مزرعة، ودعمتها الهيئة العامة للسياحة والآثار. وتحولت الفلايح إلى متنزه ريفي تراثي يضم ممشى ومزارع وجلسات عائلية وأكشاكًا للأسر المنتجة ومشاهد حية من الحياة الريفية.
وفي إحدى نسخ مهرجان فلايح عنيزة السياحي تفقد أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز الموقع ووضع حجر الأساس لمشروع تطوير الفلايح، الذي يشمل 35 مزرعة بالشراكة مع أصحاب الأملاك ودعم من بلدية عنيزة والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وسيضم محلات ومتاحف ومقاهي ونزلًا ريفية، إضافة إلى آبار زراعية تاريخية ومساجد يزيد عمرها على مئتي عام. وقد جاءت النسخة الثانية من المهرجان بأربع وأربعين فعالية، منها المسرح والجلسات الريفية والأمسيات الشعرية وشارع الرسامين.
ولا تزال هذه الجهود متواصلة؛ فقد أشار باحثو الآثار في الأيام الأخيرة إلى أن الحيطان التاريخية تحولت إلى وجهات سياحية وتراثية بارزة، محافظةً على مكوناتها الزراعية والعمرانية الأصيلة بدعم من المبادرات المجتمعية.
ختامًا.. تقف فلايح عنيزة اليوم نخيلًا باسقة خلف أسوار الطين، تحرس ذاكرة مدينة نشأت من قرى متجاورة على ملتقى طرق الحج. ومن ماء البئر الذي رفعته السواني، إلى مسجد الجوز الذي تبرد خلوته في الصيف، إلى مزارع الدغيثرية والخياط والفاخرية، تروي هذه الحيطان حكاية الأرض والإنسان في قلب نجد. وهي دعوة لكل زائر أن يمشي بين نخيلها، فيرى كيف صنع الأجداد من الماء والطين والنخل مدينة سميت «باريس نجد».
اعداد : رياض عبدالله الحريري