تسنى لي في أحد الأيام السفر برًا قاصدًا الجنوب، فامتدت أمامي المسافات، وتنوعت التضاريس، وتبدلت ملامح الأرض كلما توغلت في عمقها، حتى غدت الرحلة مرهقة، مع أن وسائل السفر المريحة تنأى بالوعثاء عن الحضور وملازمة الشعور. ومثلي مثل كثيرين ممن سافروا برًا، قاطعين الجزيرة من شمالها إلى جنوبها، أو من شاطئها الغربي إلى الشرقي، لا بد أن تتبادر إلى الذهن - وأنت ترى هذا الامتداد الهائل- أسئلة عن أولئك الرجال الذين انتشروا لتوحيد هذه الأرض مواجهين اتساعها وتضاريسها ومخاطرها، حتى استطاعوا أن يصنعوا من هذا التفرق اجتماعًا، ومن هذا الشتات وحدة. هذه الجزيرة، بتنوع تضاريسها، وجبالها الشاهقة الشماء، وفيافيها الواسعة المترامية الأطراف.. كيف استطاع فارس مغوار أن يوحد شتاتها، ويضم شملها تحت راية واحدة؟ وكيف أمكن له أن يبدأ تلك المسيرة في أرض شاسعة، وأزمنة مضطربة، بأدوات محدودة وإمكانات بسيطة؟ والجواب تشكل في مسيرة أمجاد بلغ مداها ثلاثة عقود ونيف، وأشعل قبسها وضيائها نية خير منعقدة، وقلب وثاب طامح، وروح فروسية مشتعلة، ورجال صادقين بذلوا الأنفس والأموال، واستطاعوا أن يلينوا الصلب، ويجابهوا المخاطر بشتى أشكالها وأنواعها، ويقارعوا الخصوم على شراسة بأسهم، إلى أن غدت هذه الأرض مرتعا للأمن بعد أن سبى الخوف قاطنيها، ومنبعاً للعلم بعد أن أسدل الجهل أستاره عليها، ومركزاً للتوازن العالمي بعد ان اختل توازنها. ولا يخفى على قراء التاريخ بأن الجزيرة العربية بموقعها الوسيط بين قارات العالم، وباحتضانها لحضارات سادت ثم بادت، وبتكريمها أن نزلت فيها الرسالة الخاتمة، وبروز نبي عربي من بطحائها، ونزول الوحي بلسان عربي اعجازي .. قد استنارت وغدت مشعلا لحضارة إسلامية باهرة، ثم بعد برهة من الزمن أخذ المشهد التاريخي ومجريات الأمور والأحداث تتوارى منسحبةً في خفوت من شبه الجزيرة إلى بقاع أخرى، ويذكر خير الدين الزركلي في كتابه « شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز» معلقا على خروج المشهد من قلب الجزيرة بقوله: «وتخبطت في تلك الأزمان على غير هدى وتجاهلها التاريخ أو جهلها. فلم نعرف عنها غير أثر ضئيل مما كتبه المعنيون بتاريخ شبه الجزيرة والرحالون المغامرون في بعض مجاهلها» ومما يحسن الوقوف عنده والتأمل فيه.. أن ظهور الملك المؤسس عبدالعزيز – رحمه الله – ومساعيه الميمونة، كانت كالغيث المدرار الذي هطل على الجزيرة وأهلها بعد سنوات عجاف ومواسم مقفرات، حيث عاد فيها الدمدم الهشيم إلى الحياة والاخضرار، وعادت فيها الخزامى الى التفتح والإزهار، وعادت الأرض بقيمتها وإرثها محطة للأنظار.. أي أنه استطاع أن يعيدها الى المشهد العالمي، و يكسوها الحلة البهية التي تستحق، والمجد التي اعتادت عليه. فيقول الزركلي في كتابه شبه الجزيرة: وعبد العزيز، وهو من أعلم الناس بطبيعتها، يصفها — كما حدثنا عنه الأستاذ الجامعي زيشكا — بقوله: «ومثل هذه البادية في حياتها كمثل أرضها. تظل قاحلة جرداء ماحلة إلى أن يسقيها الغيث، فإذا سقيت اخضرت وأزهرت. كذلك هي في رجالها تستمر عصورًا وهي مستغرقة في جهلها وعداواتها، ويبرز فيها رجل يحسن تنظيمها وتوجيهها، فتنقلب، والحياة ملء كل ناحية من نواحيها» الحديث عن الملك المؤسس عبدالعزيز، لا يفيه حقه مقال مكتوب، ولا لقاء مطول، وإنما كتب ومجلدات كما أفردها المؤرخون سابقا وحاضرا، ولكني أردت في هذا اليوم الوطني، وهذه الذكرى العزيزة التي تملؤنا بشعور الفخر والعزة كلما حال حولها، أن أشير إلى هذه الشخصية الفذة، وذلك الفارس الذي قطع الجزيرة على صهوة جواده، وعبر بها من التفرق إلى الاجتماع، ومن التنازع إلى الاستقرار، ومن التواري إلى الحضور؛ وأكرم الإنسان، فنهض الوطن واستقام. لحظة ختام: نستحضر واحدة من إبداعات الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن - رحمه الله - في قصيدة «روابي نجد» التي تغنّى بها محمد عبده عام «1989»: حدثينا يا روابي نجد، يا جبال السراة يا ينابيع الحسا جددي فينا الحياة حدثينا عن أبو تركي العظيم عن أبونا الفارس الشهم الكريم عن جهاد جدودنا.. اللي خلّوا حدودنا من بحرها للبحر.. ديرتي كل فخر! عاصم عبد الفتاح