فضل شاكر… بين “ملك الإحساس” وأحد أكثر الملفات إثارة للجدل في لبنان

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

لم يكن الفنان اللبناني فضل شاكر مجرد صوت عاطفي حقّق شعبية واسعة في العالم العربي، بل تحوّل خلال العقد الأخير إلى واحدة من أكثر الشخصيات الفنية إثارةً للجدل، بعدما انتقلت حياته من المسارح والمهرجانات إلى أروقة المحاكم والملفات الأمنية. وبين صورة "ملك الاحساس" الذي ارتبط اسمه بأغانٍ مثل "يا غايب" و"معقول" و"لو على قلبي"، وصورة الرجل المطلوب قضائياً بعد حوادث عبرا (شرق صيدا) عام 2013، تتداخل في مسيرته عناصر الفن والسياسة والدين والقضاء، في قصة تكاد أن تختصر مرحلة كاملة من التحولات اللبنانية والعربية.

A post shared by Fadel Chaker - فضل شاكر (@fadelchaker)

وُلد فضل عبد الرحمن شمندر شاكر، المعروف فنياً باسم فضل شاكر، في الأول من نيسان/أبريل 1969 في مدينة صيدا، ونشأ في محلة تعمير عين الحلوة المحاذية للمخيم الفلسطيني. ورغم الاعتقاد الشائع أنه فلسطيني الأصل، أكد شاكر في أكثر من مقابلة أنه "لبناني أباً عن جد"، لكنه تربّى وسط البيئة الفلسطينية، وتزوج لاحقاً من فلسطينية تُدعى ناديا، وأنجب منها ثلاثة أولاد: ألحان، ومحمد، ورنا. كما منحه الرئيس الفلسطيني الراحل محمود عباس الجنسية الفلسطينية تقديراً لمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية.

بدأت موهبة شاكر بالظهور منذ سن مبكرة، إذ كان يحيي الحفلات الصغيرة والأعراس في صيدا وهو في الخامسة عشرة من عمره، مؤدياً أغنيات عمالقة الطرب العربي مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب. وقد ساهم هذا التأثر المبكر في تكوين أسلوبه الغنائي القائم على الإحساس والطرب الرومانسي الهادئ.

عام 1998، أصدر ألبومه الأول "والله زمان"، الذي شكّل نقطة انطلاق فعلية لمسيرته الفنية، خصوصاً مع نجاح أغنية "متى حبيبي متى". لعب الموسيقار صلاح الشرنوبي دوراً محورياً في تقديم شاكر إلى الجمهور العربي، فكان من أبرز الداعمين له في بداياته.

توالت النجاحات سريعاً مع ألبومات "بياع القلوب" (1999)، و"الحب القديم" (2000)، و"حبك خيال" (2001)، قبل أن يكرّس نفسه نجماً جماهيرياً بأغنيات مثل "يا غايب"، "معقول"، "ضحكت الدنيا"، "لو على قلبي"، "فاكرني نسيتك"، و"الله أعلم". كما حققت دويتوهاته مع الفنانة نوال وشيرين عبد الوهاب وإليسا انتشاراً واسعاً.

وخلال سنوات قليلة، أصبح فضل شاكر أحد أبرز نجوم الأغنية العربية الرومانسية، ولقّبه الجمهور والنقاد بـ"ملك الإحساس"، نظراً إلى صوته الدافئ وأدائه العاطفي البعيد من الاستعراض. كما حافظ على حضور قوي في المهرجانات العربية الكبرى في لبنان ومصر والخليج والمغرب.

في نهاية عام 2012، فاجأ شاكر جمهوره بإعلان اعتزال الفن، متبنّياً خطاباً دينياً متشدداً، ومعتبراً أن الغناء "محرّم شرعاً". جاء هذا القرار في ظل تصاعد الأحداث في سوريا، وإعلانه تأييد المعارضة السورية ومهاجمته العلنية للرئيس السوري السابق بشار الأسد، حتى أنه "دعا" عليه علناً خلال حفله في مهرجان موازين عام 2012.

تعليق الفنان فضل شاكر بعد سقوط نظام بشار الاسد (اكس)

فضل شاكر كان أول فنان عربي يعلن عداءه للنظام السوري ويناصر دماء السوريين علناً خلال حفلة بمهرجان موازين في المغرب سنة 2012، مما كلفه مسيرته وسمعته وحريته. الفرج قريب إن شاء اللهpic.twitter.com/romVCBY1MB

في تلك المرحلة، اقترب شاكر من الشيخ أحمد الأسير، الذي كان يقود تياراً سلفياً في صيدا، وبدأ يظهر إلى جانبه في مواقف سياسية ودينية حادة، ما أثار انقساماً واسعاً حوله داخل الوسطين الفني والشعبي.

في حزيران/يونيو 2013، اندلعت اشتباكات دامية بين الجيش اللبناني ومسلحين تابعين لأحمد الأسير في بلدة عبرا قرب صيدا، وأسفرت المعارك عن مقتل عدد من العسكريين والمسلحين. شكلت هذه الحوادث نقطة التحول الأخطر في حياة فضل شاكر، بعدما ظهر في مقاطع مصوّرة يحمل السلاح ويتحدث عن المواجهات.

لاحقاً، وُجهت إليه تهم تتعلق بالمشاركة في أعمال إرهابية، وتمويل مجموعة مسلحة، والتحريض ضد الجيش اللبناني، والانخراط في القتال إلى جانب جماعة الأسير. في المقابل، نفى شاكر مراراً مشاركته في قتل عناصر الجيش، مؤكداً أن السلاح الذي حمله كان "للحماية الشخصية"، وأنه تعرّض لـ"ظلم سياسي وإعلامي".

فضل شاكر والشيخ أحمد الاسير (صورة ارشيفية)

بعد المعركة، توارى شاكر عن الأنظار داخل مخيم عين الحلوة، مستفيداً من الوضع الأمني الخاص بالمخيمات الفلسطينية، فيما صدرت بحقه أحكام غيابية عدة، أبرزها حكم عام 2020 بالسجن 22 عاماً مع الأشغال الشاقة، بتهم تتعلق بتمويل جماعة مسلحة والقيام بأعمال إرهابية.

رغم الأحكام التي صدرت بحقه، شهدت السنوات الأخيرة تطورات قضائية لافتة في ملف فضل شاكر. ففي أيار/مايو 2018، صدر قرار قضائي بإبطال التعقبات بحقه في قضية قتل عناصر من الجيش اللبناني، لعدم توافر الأدلة الكافية لإدانته.

وفي تطور أحدث، أصدرت محكمة الجنايات في بيروت برئاسة القاضي بلال ضناوي وعضوية المستشارين سارة بريش ونديم الناشف حكماً بالأكثرية ببراءة فضل شاكر وأحمد الأسير في دعوى محاولة قتل مسؤول “سرايا المقاومة” في صيدا هلال حمود عام 2013، مع إخلاء سبيلهما ما لم يكونا موقوفين في دعاوى أخرى.

فضل شاكر والشيخ أحمد الاسير (صورة ارشيفية)

لكنّ مصدراً قضائياً أكد أن شاكر لن يُطلق فوراً، بسبب استمرار محاكمته أمام المحكمة العسكرية في قضايا تتعلق بـ"المس بسمعة الجيش وإثارة النعرات الطائفية والمشاركة في اقتتال طائفي". ومن المقرر أن يمثل أمام القاضي العميد وسيم فياض في جلسة جديدة، وسط ترقب ما إذا كانت الأحكام المقبلة ستتأثر بمناخ البراءات الأخيرة.

كما عاد اسم شاكر إلى الواجهة مع الحديث المتكرر عن قانون عفو عام في لبنان، غير أن مصادر قضائية أكدت أن الطروحات الحالية لا تشمل المتهمين أمام المحكمة العسكرية، في ظل اعتراضات سياسية ورفض من وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى.

في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2025، سلّم فضل شاكر نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني، في خطوة اعتُبرت مفصلية في مسار قضيته. ومثل لاحقاً أمام محكمة جنايات بيروت في جلسة استجواب تمهيدية، بحضور فريق دفاعه القانوني.

وأعادت هذه الخطوة النقاش حول احتمال وجود "تسويات هادئة" تتعلق بملفات أمنية وقضائية عالقة، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وبينما اعتبر البعض أن الملف يُعالج ضمن مقاربة قضائية بحتة، رأى آخرون أن توقيت إعادة تحريكه لا ينفصل عن حسابات سياسية وأمنية أوسع.

A post shared by Fadel Chaker - فضل شاكر (@fadelchaker)

رغم سنوات الغياب، بقي صوت فضل شاكر حاضراً بقوة لدى جمهوره. ومنذ عام 2018، بدأ بالعودة تدريجاً إلى الغناء عبر أغنيات منفردة مثل "ليه الجرح"، "مع السلامة"، "بتوحشيني"، و"غيب".

وفي خطوة لافتة، وقّع شاكر عقداً فنياً مع شركة "بنش مارك" لإنتاج أعماله الجديدة وتنظيم حفلاته المقبلة، في أول تعاقد رسمي له منذ اعتزاله الفن. كما حققت أغنيته "صحاك الشوق" انتشاراً واسعاً بعد طرحها رقمياً.