«فجر اليمن».. هل تغيّرت قواعد اللعبة؟ – علي بن عبدالله علي  الوهابي

لم تعد التطورات الأخيرة في اليمن مجرد جولة عسكرية جديدة في حرب طال أمدها، فالمشهد الميداني خلال الساعات الماضية حمل تحولًا لافتًا في اتجاه المبادرة العسكرية، بعدما انتقلت القوات الحكومية اليمنية من موقع الدفاع واحتواء التقدم الحوثي إلى الهجوم واستعادة مواقع استراتيجية في الساحل الغربي.

ومن ذو باب وباب المندب إلى المخا ثم التحرك في جبهات أخرى تبدو العملية التي أُطلق عليها اسم «فجر اليمن» محاولة لإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية وفرض واقع جديد على الأرض.

واللافت هنا أن القوات الحكومية لم تكتفِ باستعادة موقع واحد بل أعلنت استعادة سلسلة من المواقع التي كان الحوثيون قد تقدموا إليها خلال الأسابيع الماضية في مؤشر على أن المعركة دخلت مرحلة مختلفة من حيث سرعة التحرك واتساع نطاقه.

هل نحن أمام عملية عسكرية عابرة أم أمام بداية تغير فعلي في قواعد اللعبة اليمنية؟

أبرز ما يميز «فجر اليمن» أنها جاءت بعد فترة تمكن فيها الحوثيون من تحقيق تقدم ميداني في الساحل الغربي والوصول إلى مناطق استراتيجية قرب باب المندب والمخا لكن المشهد انقلب سريعًا.

فقد أعلنت القوات الحكومية استعادة مديرية ذو باب ومواقع استراتيجية حول باب المندب ومعسكر العمري ثم مدينة المخا ومينائها مع استمرار العمليات في محاور أخرى.

وتحدثت المصادر الحكومية عن فرار عناصر حوثية من بعض المواقع وأسر آخرين.. وهنا تكمن دلالة العملية.

فالمسألة لم تعد مجرد صد هجوم أو استعادة موقع محدود وإنما انتقال واضح للمبادرة من القوات الحوثية إلى القوات الحكومية في المحاور التي دخلتها «فجر اليمن».

والأهم أن الانسحاب الحوثي لم يأتِ من موقع واحد فقط بل تكرر في سلسلة من المواقع التي أعلنت القوات الحكومية استعادتها خلال فترة زمنية قصيرة.

وهذا عسكريًا أكثر أهمية من عدد الغارات أو حجم القوة المستخدمة.

خلال الأسابيع الماضية كان الحوثيون قد حققوا تقدمًا في أجزاء من الساحل الغربي بما في ذلك المخا وذو باب ومناطق قريبة من باب المندب.

لكن القوات الحكومية تمكنت وفق ما أعلنته من استعادة هذه المناطق خلال العملية الحالية وبذلك أصبح المشهد مختلفًا بصورة واضحة..

القوات الحكومية تتقدم والحوثيون يتراجعون من المواقع التي تستهدفها العملية.

وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها لأن قراءة المعركة باعتبارها مواجهة متكافئة بين طرفين يتحركان بالوتيرة نفسها لا تعكس اتجاه الأحداث في الساحل الغربي خلال الساعات الماضية.

فالطرف الذي يبادر بالهجوم ويستعيد المدن والمواقع الاستراتيجية هو الذي يفرض إيقاع المعركة في هذه المرحلة.

أما الطرف الذي ينسحب من المواقع التي كان قد سيطر عليها مؤخرًا فهو في وضع دفاعي يحاول احتواء الخسارة وإعادة ترتيب صفوفه.

وهذا لا يعني أن الحوثيين فقدوا قدرتهم العسكرية بالكامل ولا يعني أن الحرب حُسمت لكنه يعني أن المعادلة الميدانية في المحاور التي وصلت إليها «فجر اليمن» تغيرت بصورة واضحة.

تزداد أهمية هذا التحول بسبب موقع باب المندب.. فالمضيق ليس مجرد نقطة على الخريطة اليمنية بل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

ولهذا فإن خروج الحوثيين من مواقع قريبة منه واستعادة القوات الحكومية السيطرة على ذو باب والمواقع المحيطة بالمضيق يحمل قيمة عسكرية تتجاوز مساحة الأرض التي تم استعادتها.

والأهمية هنا لا تعني أن السيطرة البرية على المواقع القريبة من المضيق تعني تلقائيًا التحكم في حركة الملاحة لكنها تمنح القوات الحكومية موقعًا متقدمًا يمكن البناء عليه عسكريًا وأمنيًا.

كما أن السيطرة على الطرق والمواقع المرتفعة والممرات المؤدية إلى الساحل تجعل عملية نقل القوات والإمدادات أكثر صعوبة على الطرف الذي فقد تلك المواقع.. لهذا فإن معركة باب المندب ليست معركة جغرافية فقط بل معركة تتصل بأمن البحر الأحمر ومصالح إقليمية ودولية أوسع.

إذا كان باب المندب يمثل البعد الاستراتيجي فإن المخا تمثل الاختبار الميداني الأهم.

فاستعادة المخا ومينائها تعني أن القوات الحكومية لم تكتفِ بالاقتراب من المضيق وإنما تمكنت من استعادة مدينة ساحلية ذات أهمية عسكرية واقتصادية.

كما أن موقع المخا يجعل السيطرة عليها ذات أثر مباشر في حركة القوات والإمدادات على امتداد الساحل الغربي.

ولهذا فإن السؤال الآن لا يتعلق فقط باستعادة المخا وإنما بما إذا كانت القوات الحكومية ستتمكن من تثبيت سيطرتها عليها وتأمين محيطها ومينائها وطرقها المؤدية إلى الداخل.

فالسيطرة على المدينة هي المرحلة الأولى أما المحافظة عليها ومنع الهجمات المضادة فهي الاختبار الأصعب.

إذا بقيت العملية محصورة في الساحل الغربي فقد ينظر إليها باعتبارها استعادة لمناطق فقدتها القوات الحكومية مؤخرًا.

أما إذا تزامن ذلك مع استمرار الضغط في مأرب والجوف ومحاور أخرى فإن الصورة تصبح مختلفة.

فتعدد الجبهات يفرض على الحوثيين توزيع قواتهم ومواردهم بدل تركيزها في اتجاه واحد.

وهنا قد يتحول التقدم في الساحل الغربي إلى عنصر ضغط على جبهات أخرى خصوصًا إذا تمكنت القوات الحكومية من المحافظة على زخمها وعدم السماح للحوثيين بإعادة تجميع قواتهم وشن هجمات مضادة واسعة.

وقد أعلنت القوات الحكومية استمرار العمليات على محاور متعددة في وقت أفادت فيه تقارير باستمرار المواجهات في الجوف ومناطق أخرى.

وهذا يعني أن «فجر اليمن» لا ينبغي أن تُقرأ من خلال خريطة الساحل وحدها وإنما من خلال قدرتها على تحويل تعدد الجبهات إلى ضغط متكامل.

هذا هو السؤال الذي يستحق قراءة أعمق، فالقوات الحوثية كانت قد تقدمت في هذه المناطق خلال فترة قصيرة لكنها انسحبت منها خلال وقت أقصر مع بدء الهجوم الحكومي.

وقد يكون السبب مرتبطًا بطبيعة الانتشار الحوثي وبعد خطوط الإمداد عن مراكز القوة الرئيسية فضلًا عن عنصر المفاجأة وكثافة الإسناد الجوي للقوات المتقدمة.

كما أن السيطرة على باب المندب وقطع الطريق بين ذو باب والمخا أوجدت ضغطًا على حركة القوات الحوثية في المنطقة.

وبالتالي فإن سرعة التراجع الحوثي لا تعني بالضرورة انهيارًا عسكريًا شاملًا لكنها تكشف أن الانتشار الحوثي في هذه المناطق لم يكن قادرًا على الصمود أمام الهجوم الحالي.

الانسحاب الحوثي من المواقع المتقدمة لا يعني أن المعركة انتهت بل ربما تبدأ الآن المرحلة الأصعب.

فالقوات الحكومية مطالبة بتأمين المدن والمواقع التي استعادتها وحماية طرق الإمداد ومنع التسلل والهجمات المضادة وإعادة تنظيم قواتها بما يسمح لها بمواصلة التقدم.

أما الحوثيون فمن المتوقع أن يحاولوا إعادة تنظيم صفوفهم والبحث عن مواقع جديدة للدفاع أو شن هجمات مضادة تستهدف وقف الزخم الحكومي.

ولهذا فإن الأيام المقبلة ستكون أكثر أهمية من الساعات الأولى للعملية.