فاطمة علي.. المرأة حارسة التراث

تكتسب الأعمال الفنية التشكيلية للفنانات الإماراتيات والخليجيات خصوصيتها من كونها تتناول قضايا ومواضيع متشابكة ومتداخلة، إذ تحضر بشكل أساسي صورة المرأة في تلك المجتمعات، والمكان كحاضن لوجودها، والتراث بكل محمولاته الاجتماعية من تقاليد وعادات، لتتسرب الرؤى الفكرية والدلالات الفلسفية بالأبعاد الجمالية في قلب اللوحة والعمل الإبداعي البصري.تعد الفنانة فاطمة علي من التشكيليات الإماراتيات اللواتي عالجن موضوعات المرأة والتراث والمكان، إذ نسجت سرديات إبداعية فائقة الجمال وتحتشد بالرؤى النظرية من خلال لوحاتها التي شاركت بها في العديد من المعارض داخل الدولة وخارجها. وهي تفعل ذلك ببراعة كبيرة في توظيف الفكرة واللون، من أجل صنع حالة يسكنها الحنين، ولا تخلو في الوقت ذاته من وهج الفكرة، مما يضع الناظر أمام حالة من الألق الإبداعي الذي يتطلب فعلاً تأملياً. وقد عملت فاطمة على صقل موهبتها الفنية بالدراسة الأكاديمية في أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة، الأمر الذي أكسبها الكثير من الخبرات والتجارب، والانفتاح على التيارات الفنية العالمية.محاكاةمن أبرز أعمال فاطمة لوحةٌ تجسد فكرة الاشتغال على ثلاثية المرأة والتراث والمكان من منظورٍ جمالي خليجي محلي، إذ تظهر في مشهد العمل بيوتٌ طينية قديمة تحاكي «الفرجان» والمنازل القديمة المنتشرة في الدولة. وإمعاناً في الحرص على أن يكون المشهد من البيئة المحلية القديمة، تظهر كذلك في فضاء العمل «البراجيل»، أو «أبراج الرياح»، وهي عنصر معماري يُستخدم في تهوية المنازل وتبريدها. وقد اعتمدت الفنانة على خطوطٍ مستقيمة ونوافذ صغيرة مربعة تعكس واقعية البناء القديم الذي يحمي السكان من حرارة المناخ.وتحضر في اللوحة عناصر نسائية، إذ تظهر في مشهد العمل امرأتان تتوجهان بنظريهما نحو البيوت، بحيث لا يرى المشاهد سوى ظهريهما، وهما ترتديان الزي التقليدي الإماراتي «العباءة والشيلة». ولعل وجودهما في المكان يمنح العمل نبضاً حيوياً، ويعبر عن دور المرأة اليومي في تلك الأحياء القديمة. وفي ما تبرز السماء باللون الأزرق الصافي، تكتسي الأرضية باللون الأصفر دلالةً على الرمال والبيئة الصحراوية.وتحتشد اللوحة بجملة من الدلالات، خاصة في ما يتعلق بحضور العناصر النسائية بتلك الوضعية وهن يتوجهن بأنظارهن نحو البيوت القديمة، فتلك اللقطة المشهدية تعبر عن خيار بصري يحمل دلالات رمزية ونفسية عميقة. فالمشهد يعبر عن الاندماج والارتباط ومشاعر الشوق والحنين، فعندما تنظر الشخصية إلى جهة ما في اللوحة وهي تعطي ظهرها للمشاهد، فهي تقود عين الناظر إلى الاتجاه ذاته، وبالتالي فإن في ذلك البعد إشراكاً للمتلقي في التورط في المشاعر ذاتها، بحيث ينصرف نحو التأمل في تلك البيوت ويستكشف حكاياتها وأسرارها، وكذلك يتعمق في التفكير في المكان بدلاً من الانشغال بملامح المرأتين.حضورتعاملت اللوحة مع الحضور النسوي من خلال الارتباط بالتراث وذاكرة المكان، فالمرأة ترتبط بشكل وثيق ب«البيت»، فهو مملكتها وعالمها الذي يحتوي على تصوراتها وأفكارها وذكرياتها وعلاقاتها الاجتماعية. وبالتالي، فإن ظهورها وهي تتأمل البيوت يعكس دورها كحارسة للسكينة وراعية للمكان، وفي الوقت ذاته فإن المشهد يحمل فكرة الحنين إلى الماضي والرجوع بالذاكرة إلى الوراء، فتلك الوضعية للمرأتين توحي بالتأمل والصمت في مقام المكان وهيبته، وكأنهما تستعيدان ذكريات قديمة وتتأملان في زمن مضى داخل تلك البيوت وفي رحاب هذا المكان.يجسد المشهد رغبة الجيل الحاضر في الالتفات نحو الجذور والأصالة، والتطلع إلى تراث الأجداد والتمسك بالهوية، وكأنها طوق نجاة من الانغماس في هذا الزمن المعاصر الذي يكاد يعصف بالعلاقات الاجتماعية القديمة، ويمحو ذاكرة الماضي والعادات والتقاليد التي سادت. فضلاً عن أن مشهد المرأتين هذا يضفي على اللوحة نوعاً من الغموض الذي يحرض المشاهد على التفكير والتأويل وصناعة حكاية خاصة به من وحي المشهد المؤثر. علاوة على أن عدم إظهار ملامح الوجه يحوّل المرأة من شخصية محددة ذات اسم وكيان، إلى رمز عام يمثل الأم، والأخت، والخالة، والعمة، والجدة.**media[8012852]**