في مسار سياسي امتد لنحو عقدين، انتقلت فاطمة الزهراء المنصوري من العمل في مجال المحاماة إلى رئاسة مدينة مراكش، ثم إلى الحكومة والبرلمان وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تصل، في 29 سبتمبر 2026، إلى رئاسة الحكومة المغربية، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.
ويأتي وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر 2026، وحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395 في مجلس النواب. وبموجب الفصل 47 من الدستور المغربي، عيّن الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وُلدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش عام 1976، ونشأت في عائلة لها حضور في الحياة العامة المغربية؛ فوالدها عبد الرحمن المنصوري كان باشا مراكش وسفيرًا للمغرب لدى الإمارات العربية المتحدة.
اختارت المنصوري دراسة القانون في فرنسا، وتخصصت في القانون العقاري، قبل أن تعود إلى مراكش وتمارس المحاماة. وانضمت إلى هيئة المحامين بالمدينة عام 2005، ثم بدأت الانتقال تدريجيًا إلى العمل السياسي.
وكان دخولها إلى حزب الأصالة والمعاصرة في سنواته الأولى محطة أساسية في مسيرتها، بعدما انخرطت في الحزب الذي تأسس عام 2008، لتتدرج لاحقًا في مواقعه التنظيمية.
في عام 2009، حققت المنصوري أولى محطاتها السياسية اللافتة، عندما انتُخبت عمدة لمدينة مراكش، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المدينة، وهي في الثالثة والثلاثين من عمرها.
وخلال تجربتها المحلية، ارتبط اسمها بملفات تطوير البنية التحتية والخدمات الحضرية، كما تولت رئاسة المجلس الجماعي لمراكش مرة أخرى بعد انتخابات 2021. وتشير مصادر مغربية إلى أنها أشرفت خلال ولايتها الأولى على مئات الخطط والمشروعات التنموية في المدينة.
كما أثارت بعض قراراتها خلال رئاسة مراكش نقاشًا عامًا، من بينها مواقفها المتعلقة بالتوسع العمراني واستخدام موارد المياه في المدينة السياحية، بما عكس انتقالها المبكر من العمل القانوني إلى إدارة ملفات مدينة كبرى ذات أهمية اقتصادية وسياحية.
لم تتوقف مسيرة المنصوري عند العمل المحلي، إذ انتُخبت عضوًا في البرلمان المغربي عام 2011، واحتفظت بمقعدها بعد انتخابات 2016 و2021.
وفي حكومة عزيز أخنوش التي تشكلت بعد انتخابات 2021، تولت حقيبة وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وهي حقيبة ارتبطت بشكل مباشر بخبرتها السابقة في القانون العقاري والتخطيط الحضري.
وفي الوقت نفسه، واصلت حضورها في المشهد المحلي، إذ عادت إلى رئاسة المجلس الجماعي لمراكش في 2021، لتجمع بين الخبرة الحكومية والعمل السياسي المحلي.
داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أصبحت المنصوري واحدة من أبرز الشخصيات القيادية، وتولت رئاسة المجلس الوطني للحزب في وقت سابق، قبل أن تصبح ضمن القيادة الجماعية للحزب.
ومع اقتراب انتخابات 2026، برز اسمها باعتبارها إحدى الشخصيات الرئيسية في الحزب، خصوصًا مع دخول الحزب الانتخابات بطموح تصدر المشهد البرلماني. وأظهرت النتائج حصول «الأصالة والمعاصرة» على 97 مقعدًا، ليتقدم على التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال.
لم يقتصر الاهتمام بالمنصوري على الساحة المغربية؛ ففي عام 2014 اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن قائمة القادة العالميين الشباب، كما ظهرت في قوائم دولية للنساء الأفريقيات الشابات صاحبات الحضور السياسي.
وفي تلك المرحلة، لفتت تجربتها في مراكش اهتمام مؤسسات إعلامية ودولية، خصوصًا مع كونها امرأة شابة تولت إدارة واحدة من أهم المدن السياحية في المغرب.
مسيرة المنصوري لم تخلُ من الأزمات والاختبارات السياسية؛ فانتخابها عمدة لمراكش عام 2009 واجه طعونًا قضائية، قبل أن تستعيد منصبها بقرار من القضاء الإداري، وفق تقارير تناولت تلك المرحلة.
كما واجهت خلال السنوات الأخيرة انتقادات وادعاءات مرتبطة بملكية أراضٍ عائلية في مراكش، وردت عليها بنفي الاتهامات والتأكيد أن الأراضي مملوكة لعائلتها بصورة خاصة، وأن عمليات البيع تمت وفق الإجراءات القانونية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام مغربية.
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يضيف محطة جديدة إلى مسيرة سياسية بدأت من مراكش، مرورًا بالمحاماة والمجلس البلدي والبرلمان والحكومة وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة.
لكن الوصول إلى رئاسة الحكومة لا يعني نهاية الاختبارات السياسية؛ فالمنصوري تبدأ مهمتها في ظل برلمان لا يمتلك فيه حزبها أغلبية منفردة، ما يفرض عليها الدخول في مشاورات مع الأحزاب الأخرى لتشكيل ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية البرلمانية.
وبذلك، تتحول المنصوري من أول امرأة تقود مراكش إلى أول امرأة تقود الحكومة المغربية، في مسار جعل تجربتها السياسية مرتبطة بمحطات متتالية من العمل المحلي والبرلماني والحكومي والحزبي، وصولًا إلى أعلى منصب تنفيذي في المملكة.