فاتورة الحرّ: كيف بات المناخ في صلب المعادلة الاقتصادية الأوروبية؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

بين تراجع إنتاجية العاملين وارتفاع تكاليف التأمين وصيانة البنى التحتية، الظاهرة تتحوّل إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه القارة

لم تعد موجات الحر التي تضرب أوروبا في كل صيف حدثاً عابراً تتصدر نشرات الطقس لبضعة أيام قبل أن تنسحب من الاهتمام العام. في السنوات الأخيرة، باتت درجات الحرارة القياسية تُقرَأ هناك بلغة مختلفة: لغة الاقتصاد. ما كان يُعتبَر سابقاً أزمة صحية أو بيئية أصبح اليوم بنداً ثابتاً في تقارير المصارف المركزية، وحسابات الشركات، وخطط الحكومات، وتقديرات المستثمرين.

لا تواجه أوروبا مجرد فصول صيف أكثر حرارة فحسب، بل واقع مناخي جديد يعيد رسم حدود النشاط الاقتصادي نفسه. القارة التي اعتادت لعقود طويلة من الزمن مناخاً معتدلاً نسبياً، تجد نفسها اليوم أمام ظاهرة تتكرر بوتيرة أعلى، وتفرض على اقتصاداتها التكيف مع ظروف لم تكن البنية التحتية، ولا أسواق العمل، ولا نماذج الإنتاج، مصممة أساساً لاستيعابها.

لا يتعلق الأمر بانطباعات أو توقعات بعيدة الأجل. تؤكد المفوضية الأوروبية أن أوروبا أصبحت أسرع قارات العالم احتراراً، إذ ترتفع درجات الحرارة فيها بأكثر من ضعفي المتوسط العالمي. هذه الحقيقة التي لطالما عنت علماء المناخ وحدهم، أصبحت تشغل بال الاقتصاديين أيضاً، لأن الحرارة تحولت من عامل طبيعي يصعب إدراجه في المعادلات الاقتصادية إلى متغير يؤثر مباشرة في النمو والإنتاجية والاستثمار والتضخم.

قبل سنوات قليلة، كانت الاقتصادات الأوروبية تواجه أزماتها التقليدية: تباطؤ النمو، وتقلب أسعار الطاقة، والشيخوخة السكانية، ثم جاءت جائحة "كوفيد-19" لتضيف اختباراً غير مسبوق، أعقبتها الحرب الروسية- الأوكرانية وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. واليوم، يبدو أن تغير المناخ يفرض نفسه بوصفه التحدي الهيكلي التالي، تحدٍّ لا يرتبط بدورة اقتصادية عابرة، بل بواقع مرشح لأن يرافق القارة لعقود مقبلة.

لا يتوقف الاقتصاد الأوروبي عن العمل عندما ترتفع الحرارة، بل يواصل العمل بكفاءة أقل. هذا هو ما يجعل الخسائر صعبة الرصد أحياناً وأكثر خطورة في الوقت نفسه. العامل في موقع البناء، أو سائق الشاحنة، أو موظف المستودع، أو الفني الذي يقضي يومه في صيانة شبكة كهرباء أو خط من خطوط السكك الحديد، لا يستطيع الحفاظ على المستوى نفسه من الأداء عندما يصبح الحر عاملاً إضافياً يستنزف الجسد والتركيز معاً.

لكن الصورة لا تقتصر على هذه المهن. حتى داخل المكاتب والمصانع والمحال التجارية، ترتفع تكلفة الحفاظ على بيئة عمل مناسبة، ويزداد الاعتماد على أنظمة التبريد، وتتغير ساعات التشغيل، فيما تتراجع الإنتاجية تدريجاً من دون أن يلحظها أحد في يوم واحد، لكنها تظهر بوضوح عندما تُجمَع نتائج أشهر كاملة.

ولذلك، لم يعد الاقتصاديون يتحدثون عن الحرارة بوصفها عاملاً يؤثر في راحة العاملين فحسب، بل كذلك باعتبارها عاملاً إنتاجياً بامتياز. تشير دراسة حديثة شملت 2.7 مليون شركة في 23 اقتصاداً متقدماً إلى أن زيادة 10 أيام سنوياً تتجاوز فيها درجات الحرارة 35 درجة مئوية تخفض إنتاجية العمل بنحو 0.3 في المئة، فيما تؤدي موجة حر تستمر خمسة أيام أو أكثر إلى انخفاض إضافي يقارب 0.2 في المئة، مع أثر أكبر في الشركات الصغيرة والمتوسطة الأقل قدرة على الاستثمار في وسائل التكيّف.

بحوث المصرف المركزي الأوروبي تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تلفت إلى أن آثار موجات الحر لا تنتهي بانتهاء الصيف، بل قد تستمر في التأثير في النشاط الاقتصادي خلال الأشهر وربما السنوات اللاحقة، بما يجعلها أقرب إلى صدمة اقتصادية ذات آثار ممتدة، لا إلى اضطراب موسمي عابر. تشير هذه البحوث تحديداً إلى أن موجات الحر قد تخفض النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة بنحو واحد في المئة، بينما قد تمتد آثارها إلى نحو 1.5 في المئة بعد سنتين. هذه النتيجة تحمل دلالة مهمة. لم يعد الاقتصاد الأوروبي يخسر ساعات عمل فحسب، بل قد يخسر جزءاً من قدرته على النمو إذا أصبحت موجات الحر أكثر تكراراً، وهو الاحتمال الذي تشير إليه غالبية السيناريوات المناخية.

لكن الإنتاجية ليست سوى الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الآثار. يقوم الاقتصاد الحديث على شبكة معقدة من العلاقات، وأي ضغط يصيب إحدى حلقاتها ينتقل سريعاً إلى بقية السلسلة. ولهذا السبب، لا تبقى موجات الحر محصورة بمواقع العمل، بل تمتد آثارها إلى الشركات، ثم إلى الأسواق، ثم إلى المالية العامة، قبل أن تصل في نهاية المطاف إلى المستهلك. تبدأ الشركات بدفع الثمن من خلال ارتفاع تكلفة التشغيل. أصبح التبريد يستهلك جزءاً متزايداً من النفقات، وإعادة تنظيم ساعات العمل تفرض أعباءً إضافية، فيما يؤدي انخفاض الكفاءة إلى زيادة التكلفة الفعلية لكل وحدة إنتاج، حتى عندما يبقى حجم الإنتاج مستقراً ظاهرياً.

وفي المدن الأوروبية الكبرى، تتراجع حركة النشاط التجاري في ساعات الذروة الحرارية، بينما تتأثر عمليات النقل والتوزيع عندما تتعرض البنية التحتية إلى ضغوط متزايدة. الطرق والسكك الحديد، المصممة لتعمل لعقود من الزمن كانت الظروف المناخية المتوقعة فيها أكثر اعتدالاً، تجد نفسها اليوم أمام درجات حرارة لم تكن جزءاً من معايير تصميمها الأصلية. أما انخفاض منسوب بعض الأنهار الأوروبية خلال فترات الحر والجفاف، فيبطئ حركة النقل النهري، ما ينعكس على التجارة الداخلية وسلاسل الإمداد.

ويبدو المشهد أكثر تعقيداً إذا أضيف إليه قطاع التأمين. كل موجة حر ترفع احتمالات حرائق الغابات، وتزيد الأضرار التي قد تلحق بالمباني والمنشآت والبنية التحتية، وتضاعف تكلفة التعويضات. ولذلك، بدأت شركات التأمين وإعادة التأمين الأوروبية بمراجعة تقييماتها الخاصة بالمخاطر المناخية وإعادة تسعيرها. والنتيجة ليست شأناً يخص شركات التأمين وحدها، بل تنتقل تدريجاً إلى الشركات والأسر، عبر ارتفاع أقساط التأمين وتكلفة ممارسة الأعمال. وهكذا، تتحول الحرارة إلى ضريبة غير معلنة يدفعها الجميع بصورة أو بأخرى.

وإذا كانت هذه الخسائر تبدو متفرقة، فإنها في الواقع تتراكم بهدوء لتشكل فاتورةً اقتصادية ضخمة. تقدّر الوكالة الأوروبية للبيئة أن الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة كلفت بلدان الاتحاد الأوروبي أكثر من 822 مليار يورو (نحو 960 مليار دولار) منذ عام 1980، فيما استحوذت السنوات الأربع الأخيرة وحدها على نحو 208 مليارات يورو (قرابة 243 مليار دولار) من هذه الخسائر، أي ربع الإجمالي تقريباً. وتعكس هذه الأرقام حقيقة لافتة: لا ترتفع التكلفة الاقتصادية لتغير المناخ تدريجاً فحسب، بل تتسارع أيضاً.

ومن هنا، لم يعد تغير المناخ قضية تخص وزارات البيئة وحدها. المصرف المركزي الأوروبي، الذي تتمثل مهمته الأساسية في الحفاظ على استقرار الأسعار، بات ينظر إلى الحرارة المرتفعة باعتبارها عاملاً يمكن أن يؤثر في التضخم والنمو معاً. يقدّر المصرف أن موجات الحر خلال صيف 2025 رفعت أسعار الأغذية الطازجة في منطقة اليورو بما يراوح بين 0.4 و0.7 نقطة مئوية مقارنة بها قبل سنة، في مؤشر على أن تغير المناخ بدأ يؤثر مباشرة بأحد أهم المؤشرات التي تراقبها السياسة النقدية.

موجة الحر فرضت إجراءات جديدة في أوروبا (أ ف ب)