أكد السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية ورئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، أن قطاع غزة يواجه مأساة إنسانية تجاوزت حدود الاحتمال، وخلفت من الألم والدمار ما سيظل محفورًا في ذاكرة فلسطين والمنطقة والعالم، مشددًا على ضرورة حماية المدنيين وضمان دخول المساعدات الإنسانية وتوفير مقومات الحياة للسكان.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها فائد مصطفى نيابة عن الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور نبيل فهمي، في فعالية إحياء ذكرى المجازر الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تنفيذًا لقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته السادسة والستين بعد المئة.
واستهل مصطفى كلمته بنقل تحيات وتقدير الأمين العام لجامعة الدول العربية، مستشهدًا بقول الله تعالى: «إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار»، مؤكدًا أن إحياء هذه الذكرى يأتي في وقت يواجه فيه الفلسطينيون تداعيات حرب خلفت آلاف الشهداء ومئات الآلاف من المصابين والمكلومين، وعائلات فقدت أبناءها، وأطفالًا حرموا من طفولتهم، ومدنًا تحولت إلى أنقاض واختفت معالم الحياة فيها.
وأوضح أن يوم السابع من أكتوبر، بما يحمله من رمزية مؤلمة في سجل الحرب، يمثل مناسبة لاستحضار حجم الخسائر البشرية والدمار الذي لحق بقطاع غزة، مؤكدًا أن إحياء الذكرى يأتي وفاءً للشهداء وتضامنًا مع الناجين، وتجديدًا للمسؤولية في صون الحقيقة والدفاع عن الكرامة الإنسانية والعمل من أجل العدالة وإنهاء المأساة التي لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الفلسطينيين.
وأشار إلى أن أحدث الإحصائيات الطبية الفلسطينية تفيد بتجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة 74 ألفًا، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، فيما تجاوز عدد النساء اللواتي استشهدن أو أصبن 35 ألفًا، وذلك منذ أكتوبر 2023.
وحذر رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة بجامعة الدول العربية من أن حرمان السكان من المياه والغذاء والدواء، وتقلص المساحات الآمنة، وتعذر إعادة بناء المنازل، واستمرار القيود التي تعيق وصول المساعدات ومواد الإعمار، كلها عوامل تجعل الضغط على الإنسان يتجاوز حدود الاحتمال، وتزيد من قسوة الظروف التي يواجهها السكان.
وأكد أن هذه الظروف قد تتحول إلى أداة لدفع السكان إلى مغادرة أرضهم تحت وطأة الحاجة والخوف وانعدام مقومات الحياة، موضحًا أن التهجير قد يُمارس بالقوة المباشرة، وقد تصنعه أيضًا ظروف قسرية تجعل البقاء بالغ الصعوبة، مشددًا على أن حماية السكان من النقل القسري واجب قانوني، وأن حماية حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم وصون ارتباطهم بوطنهم مسؤولية لا تقبل التأجيل.
وقال فائد مصطفى إن الجوع ليس وسيلة مشروعة لإخضاع الشعوب، وإن الماء ليس ورقة للمساومة، والدواء ليس امتيازًا يُمنح أو يُحجب وفق الحسابات السياسية، كما أن المأوى ليس أمرًا ثانويًا في حياة من فقدوا بيوتهم، وإنما تمثل هذه الاحتياجات حقوقًا أساسية ومسؤوليات قانونية وإنسانية يتعين احترامها وضمانها.
وطالب بضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتأمين الإمدادات الطبية والغذائية والوقود، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام، واستئناف الخدمات البلدية والصحية والتعليمية، وتوفير المأوى الملائم للنازحين، وتهيئة الظروف التي تتيح للسكان العيش بكرامة وأمان.
وشدد على أنه لا معنى للحديث عن التعافي بينما يفقد الإنسان مقومات الحياة، ولا جدوى من خطط الإعمار إذا ظل السكان محاصرين في دائرة الخوف والحاجة والجوع.
وفيما يتعلق بالأوضاع الميدانية، أشار فائد مصطفى إلى أن القوات الإسرائيلية لا تزال تحتفظ بوجود عسكري يسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة، رغم طرح السلام باعتباره أفقًا لإنهاء الحرب، موضحًا أن اتساع نطاق السيطرة العسكرية يضيق الحيز المتاح للمدنيين ويزيد من تركز السكان في مساحات محدودة تحيط بها المخاطر والقيود.
وأضاف أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي واتساع نطاق السيطرة على الأرض يثيران تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام باستحقاقات وقف إطلاق النار، والشروط اللازمة لانتقال غزة من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام والتعافي.
وأكد أن وقف إطلاق النار كان ينبغي أن يكون مدخلًا لإنهاء الحرب واستعادة الحياة وتثبيت الأمن للمدنيين، وتهيئة الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، محذرًا من أن استمرار الهجمات والقيود وتقلص المساحات المتاحة للسكان يبقي المجتمع رهينة للخطر، ويجعل السلام اسمًا لمرحلة لم تستكمل شروطها على الأرض.
وشدد على أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بتكريس الخوف في نفوس المدنيين أو إبقاء السكان تحت وطأة السيطرة والتهديد، بل يتحقق بإزالة أسباب الصراع واحترام القانون وإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم على أرضهم في إطار وطني فلسطيني موحد.