فؤاد أبو غزالة.. طبيب أبها الذي سبق زمنه – د. يحيى جابر

تحتفظ مدينة أبها بل منطقة عسير في ذاكرتها بأسماء رجال لم تكن إنجازاتهم مرتبطة بالمباني الكبيرة أو المناصب اللامعة، وإنما بما تركوه في حياة الناس من أثر لا يزال حاضراً بعد مرور عقود طويلة، ومن بين هؤلاء يبرز اسم الدكتور فؤاد أبو غزالة، الطبيب الذي ارتبط اسمه بتاريخ العمل الصحي في عسير، وبمرحلة مبكرة كانت فيها الخدمات الطبية محدودة، ووسائل النقل شاقة، والوصول إلى القرى والمناطق البعيدة يحتاج إلى طبيب يحمل معه أدواته ومعرفته وإرادته، قبل أن يحمل معه أي وسيلة من وسائل الطب الحديث.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الدكتور فؤاد فياض أبو غزالة -رحمه الله-، أسندت إليه مسؤولية مندوب وزارة الصحة في منطقة عسير، وهو ما يضعه ضمن الجيل المبكر من الكوادر التي شاركت في بناء الخدمات الصحية بالمملكة، في مرحلة كانت فيها المؤسسات الصحية تتشكل وتتوسع تدريجياً، وكانت المناطق البعيدة تحتاج إلى جهود ميدانية تتجاوز حدود العمل داخل المستشفى إلى الوصول المباشر للسكان في مواقعهم، وقد ورد اسمه في وثائق تاريخية مرتبطة بتنظيم العمل الصحي في المملكة في منتصف القرن 14 الهجري، ضمن من أسندت إليهم مسؤوليات صحية في المناطق، «المصدر - جريدة أم القرى، المملكة العربية السعودية، عدد 1005، 10 رجب 1374هـ الموافق 4 مارس 1955م»، كما أوردت دراسة تاريخية عن تطور الحكم والإدارة في المملكة اسم الدكتور فؤاد أبو غزالة في سياق المسؤولية الصحية بمنطقة عسير.

ولعل القيمة الحقيقية في تجربة الدكتور أبو غزالة لا تكمن في المسمى الوظيفي وحده، وإنما في طبيعة المرحلة التي مارس فيها الطب والعمل الصحي، فقد كان الطبيب في ذلك الزمن يؤدي أدواراً متعددة في وقت واحد، فهو المعالج، والإداري، والمسؤول، والمشرف، والموجه، والمشارك في حملات الوقاية، والمسؤول عن التعامل مع الأمراض المعدية، والشخص الذي يتعين عليه اتخاذ قرارات سريعة عندما تكون الإمكانات محدودة والمسافات طويلة والمرض أسرع من وسائل الإمداد.

ولهذا ارتبط اسمه في الذاكرة المحلية بلقب «الطبيب السيار»، و«الطبيب الإنسان»، وهي وصف يلخص طبيعة العمل الميداني الذي كان يقوم به، إذ تذكر رواية موثقة صحفياً أن بعثة طبية ترأسها الدكتور فؤاد أبو غزالة وصلت إلى عسير في مواجهة انتشار مرض الجدري، وأنه كان يجوب المناطق للإشراف والمعالجة، في زمن لم تكن فيه الخدمات الصحية بالشكل المؤسسي الواسع الذي يعرفه الناس اليوم، «المصدر ـ جريدة الوطن، المملكة العربية السعودية، «مصل الجدري من حسيل لعلاج مرضى عسير»، 21 مارس 2020»، وهي الرواية التي نقلتها الصحيفة عن محمد عبدالوهاب أبو ملحة، مدير عام مالية أبها سابقاً، وتصبح قصة الدكتور أبو غزالة أكثر دلالة عندما نستحضر طبيعة مرض الجدري في ذلك الزمن، فقد كان من الأمراض المعدية الخطيرة التي خلفت آثاراً صحية واجتماعية قاسية، وكانت الوقاية منه تعتمد على التحصين، وكانت عملية توفير اللقاح في المناطق البعيدة أكثر تعقيداً مما هي عليه اليوم، الأمر الذي جعل الفرق الطبية تواجه تحدياً مزدوجاً، علاج الحالات الموجودة ومنع انتقال العدوى إلى آخرين، وفي إحدى الوقائع التي تناقلتها المصادر المحلية، نفد لقاح الجدري أثناء التعامل مع الحالات في عسير، وكانت إعادة توفيره من المنطقة الغربية تحتاج إلى وقت بسبب صعوبة النقل آنذاك، وهنا لجأ الدكتور أبو غزالة إلى حل غير مألوف في الظروف التي وجد نفسه فيها، إذ اشترى «حسيلًا»، أي عجلاً صغيراً، من سوق الثلاثاء في أبها، ثم استخدمه في عملية مرتبطة بتوفير المصل، وبعد ذلك استُخدم اللقاح في عملية التحصين، وأصبحت الطريقة في الذاكرة الشعبية المحلية مرتبطة باسم «وتنة أبو غزالة»، أي إبرة أبوغزالة، «المصدر ـ جريدة الوطن، المملكة العربية السعودية، «مصل الجدري من حسيل لعلاج مرضى عسير»، 21 مارس 2020»، وتروي مصادر صحفية لاحقة القصة بتفاصيل إضافية، فتذكر أن نفاد اللقاح دفع الدكتور أبو غزالة إلى تنفيذ الفكرة في ظل الظروف المتاحة، وأن عملية التحصين تمت بطريقة كانت معروفة في ذلك الوقت، وأن نجاحها ارتبط بانحسار الخطر الصحي في المنطقة، «المصدر ـ جريدة الوطن، المملكة العربية السعودية، «المعجزة»، 2024»، مع التأكيد أن هذه التفاصيل تندرج في إطار الرواية التاريخية المحلية المنقولة، وليست بديلاً عن التوثيق الطبي المعاصر الذي يشرح تقنيات إنتاج لقاح الجدري وتطبيقاته، وهنا تظهر قيمة أخرى في شخصيالدكتور أبو غزالة، وهي القدرة على التعامل مع الواقع كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون في الكتب، فالطبيب الذي يعمل في مركز طبي حديث يمتلك مختبراً وأدوية ومستلزمات وسلسلة إمداد ووسائل نقل واتصال، بينما كان الطبيب الميداني في عسير خلال تلك المرحلة يعمل في بيئة مختلفة تماماً، ولذلك فإن الحكم على التجربة يجب أن يكون من داخل ظروفها التاريخية، لا بمعايير الإمكانات التي جاءت بعدها بعشرات السنين، كما أن التجربة ناجحة ومفيدة ذلك الوقت.

ومن اللافت أن اسم الدكتور أبو غزالة لا يظهر في المصادر باعتباره طبيباً منعزلاً عن المجتمع، بل في سياق مرحلة كان فيها الطبيب جزءاً من عملية بناء الدولة الحديثة وخدماتها الأساسية، فقد كانت الصحة واحدة من القطاعات التي احتاجت إلى التوسع والوصول إلى المناطق المختلفة، وكانت مهمة العاملين فيها تتجاوز علاج الفرد إلى حماية المجتمع من الأمراض المعدية، ونشر الوعي الصحي، وتنفيذ إجراءات الوقاية والتحصين.

وتؤكد الوثائق التاريخية أن العمل الصحي في المملكة خلال تلك المرحلة كان يتطور بصورة تدريجية، وكانت وزارة الصحة تعمل على توزيع المسؤوليات الصحية في المناطق، وهو ما يفسر أهمية أسماء العاملين الأوائل الذين تولوا مهام ميدانية في مناطق بعيدة عن المركز الإداري، ومن بينهم الدكتور فؤاد أبو غزالة في عسير، «المصدر ـ جريدة أم القرى، المملكة العربية السعودية، عدد 1005، 10 رجب 1374هـ الموافق 4 مارس 1955م»، وهو توثيق يمنح سيرته بعداً مؤسسياً يتجاوز الروايات المتداولة.

كما أن حضور اسمه في مصادر تتناول تاريخ الخدمات الصحية في المملكة يكشف أن تجربته جاءت ضمن مسار أوسع من بناء النظام الصحي السعودي، ذلك المسار الذي بدأ بإمكانات محدودة ثم توسع تدريجياً حتى أصبحت الرعاية الصحية اليوم منظومة واسعة تشمل المستشفيات والمراكز الصحية والرعاية الوقائية والتخصصات الدقيقة وبرامج الصحة العامة، والإنصاف يقتضي هنا ألا ننظر إلى الدكتور أبو غزالة باعتباره مجرد صاحب قصة طبية مثيرة، لأن اختزال سيرته في حكاية «المصل» يحجب الجانب الأهم في تجربته، وهو العمل الميداني المستمر في مرحلة تأسيسية، فالقيمة في قصة الرجل أنه كان جزءاً من جيل مثقف ومتعلم ومارس الطب عندما كانت المهنة تحتاج إلى شجاعة مهنية وصبر على السفر وتحمل المسؤولية وقدرة على العمل في بيئات محدودة الموارد.

ومن أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه الشخصية أن الطبيب لم يكن ينتظر المريض دائماً حتى يأتي إليه، بل كان يذهب إلى المريض، وفي مناطق متفرقة ووعرة وشاقة ومتباعدة، وهذه النقلة في مفهوم الخدمة الصحية كانت بالغة الأهمية في المناطق الجبلية والقرى المتباعدة، حيث لا تكفي إقامة منشأة صحية واحدة لخدمة مجتمع واسع الانتشار.