مما يثير الاهتمام حول غياب الطلاب ذلك الغياب الذي يتحول إلى سلوك جماعي، ففي دراسة نشرها سالم العلواني عام 2026، وشملت 411 من الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور في السعودية، برز التنسيق بين الزملاء عبر وسائل التواصل، وتوقع غياب الآخرين، والاعتقاد بأن اليوم الأخير من الأسبوع يوم يمكن الاستغناء عنه، وهي نتيجة تفتح باباً مهماً للبحث في «الأعراف الاجتماعية»: حين يتوقع أفراد الجماعة سلوكاً معيناً ويصبح مقبولاً بينهم، فيسهل تكراره. وقد أشارت وزارة التعليم نفسها عام 2018، اعتماداً على متابعتها لسجلات «نور»، إلى ارتفاع الغياب في أول الأسبوع وآخره وقبل الاختبارات، وكذلك دراسة شادية ناصر آل مجثل عام 2019، التي شملت 550 طالباً وطالبة في محافظة أبها، ركزت على الغياب في الأسبوع الأخير من الدراسة وقبل الإجازات وبعدها. ووجدت أن الظاهرة ترتبط بعوامل أسرية ومدرسية واجتماعية، وأوصت بالاهتمام بالأيام الدراسية الأخيرة وتقديم أنشطة تحقق فائدة للطلاب، وهي نتيجة تستحق التأمل: فحين يشعر الطالب بأن اليوم الدراسي قليل الفائدة، قد يضعف دافعه إلى الحضور، وتزداد المشكلة إذا وافقته أسرته على ذلك. وهنا تبرز مسؤولية الأسرة، فالطفل لا يقرر غالباً بنفسه الغياب في الصفوف الأولى، وإذا شاهد أن الحضور أمر قابل للتفاوض بحسب رغبة الأسرة في السفر أو النوم أو مناسبة اجتماعية، فقد يتعلم أن الالتزام بالمواعيد مسألة اختيارية، وتبرز أهمية التدخل المبكر في دراسة لجامعة كاليفورنيا، نشرت عام 2026، تتبعت 373,758 طفلاً من الروضة إلى الصف الأول، فقد كان احتمال استمرار الغياب المزمن في الصف الأول %41.2 عند من عانوه في الروضة، مقابل %5.7 عند غيرهم، والغياب المزمن هنا يعني فقدان عُشر أيام الدراسة أو أكثر، لأي سبب، نحن لا نتحدث عن الغياب من خلال منظور الالتزام الرسمي وتحقيق متطلبات المؤسسة التعليمية الرسمية، ولكننا نتكلم عنه كسلوك اجتماعي في المقام الأول فهو إن بدأ في المدرسة سيظهر لاحقًا في بيئة العمل، وفي المواعيد التي تُعطى للأصدقاء والزملاء والأقارب، في إنجاز الوعد في وقته، بل ربما أيضًا في إنجاز ما يَعِدُ به الإنسان أصلا، فمن تعود على الغياب سينعكس على سلوكيات أخرى مماثلة جوهرها تحمل المسؤولية، خاصة المسؤولية المرتبطة بمدة زمنية أو بموعد معين، ولهذا كله نتحدث عن الغياب المدرسي، فالمدرسة ليست مكانا لتحصيل المعرفة والعلفقط، فمهما بلغ الإنسان من العلم من خلال ما يتعلمه في مدارس التعليم العام ثم في الجامعة، وربما أيضًا في برامج التعليم العالي من ماجستير ودكتوراه، فإنه إذا لم يتشرب السلوك الاجتماعي السليم والقويم منذ صغره، فسوف يفشل في حياته، وحيث قدمت لكم وجبة دسمة من الدراسات التي تناولت مسألة الغياب في المدارس السعودية، وبينت أن حجم المشكلة ليس شيئا يمكن التغاضي عنه مقارنة بالنسب الإقليمية والعالمية كما استعرضت بعض الدراسات التي أشارت إلى علاقته بالتحصيل وتأثيره الأكاديمي، فمن المهم أن نتناول أبعاد ذلك ومتطلبات ما يجب عمله. فإن هذه المعطيات تستحق من وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب برنامجاً بحثياً وطنياً واضحاً، وأقل طلب هو نشر معدلات الحضور سنوياً بحسب الصف والمنطقة ونوع المدرسة، والتمييز بين الغياب المبرر والمتعمد، وكشف نسبة الطلاب الذين يتكرر غيابهم سنة بعد أخرى وتتبع هذا السلوك بالرصد والدراسة، ومن المهم أيضاً دراسة «عدوى الغياب» بين الزملاء والأسر، ودور المناخ المدرسي، والصحة النفسية، وجودة التدريس في الأيام التي تسبق الإجازات والاختبارات، ولا شك أن وجود سجلات إلكترونية للحضور يوفر نقطة انطلاق، وإن كانت إتاحة بياناتها وتحليلها وربطها ببيانات الطالب لسنوات تتطلب ترتيبات دقيقة لحماية الخصوصية، ومع ضرورة الحزم فإن العقاب وحده لا يكفي، فقد أظهرت تجربة عشوائية أمريكية نشرها تود روجرز وآفي فيلر عام 2018، وشملت أسر 28,080 طالباً، أن رسائل شخصية تصحح تقدير الوالدين لأيام غياب أبنائهم خفضت الغياب المزمن بنسبة نسبية بلغت 10% أو أكثر في أنجع صور التدخل مقارنة بالمجموعة الضابطة. وفي المقابل، يوصي تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «كل يوم مهم» لعام 2026 بإجراءات تجمع بين الإنذار المبكر، والشراكة مع الأسرة، ومعالجة أسباب الغياب.أهم ما نطالب به هو أن تصبح المواظبة «قيمة» يتعلمها الطالب عملياً، وأن تلتزم المدرسة في المقابل بأن يكون كل يوم دراسي يوماً تعليمياً حقيقياً، فالمدرسة التي تغرس احترام الوقت والمسؤولية لا تُعِدُّ طالباً للاختبار فحسب، بل تُعد مواطناً يعرف معنى الالتزام تجاه الآخرين، وليس من الحكمة انتظار ارتفاع نسب الغياب أكثر حتى نبدأ السؤال عن أسبابه وعلاجه، ولا أن تزيد النسبة لدينا أكثر من الـ 66% التي وصلت إليها في دراسة «بيزا» PISA لعام 2025