غياب إيطاليا جرح في ذاكرة المونديال
يشكل غياب المنتخب الإيطالي عن كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، واحدة من أكثر القصص إيلاماً في عالم كرة القدم خلال السنوات الأخيرة. فحين يغيب منتخب بحجم إيطاليا عن أكبر حدث رياضي على وجه الأرض، فإن الخسارة لا تقتصر على جماهيره فقط، بل تمتد إلى كل عشاق اللعبة الذين اعتادوا رؤية « الأتزوري « حاضراً بين كبار العالم. فالكرة الإيطالية، أو «الكالتشيو»، تعد ركناً أساسياً في تاريخ كرة القدم العالمية. فمنذ تأسيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم عام 1898، نجحت إيطاليا في بناء إرث رياضي استثنائي جعلها واحدة من أعظم القوى الكروية عبر التاريخ. وقد توج المنتخب الإيطالي بكأس العالم أربع مرات أعوام 1934 و1938 و1982 و2006، كما أحرز لقب بطولة أمم أوروبا مرتين عامي 1968 و2021، ليبقى اسمه محفوراً بين أكثر المنتخبات نجاحاً وتأثيراً في اللعبة. وعلى مدى عقود طويلة، تميزت الكرة الإيطالية بأسلوبها التكتيكي الفريد الذي أصبح مدرسة قائمة بذاتها في عالم كرة القدم. فالدقة التنظيمية والانضباط الدفاعي والذكاء التكتيكي شكلت هوية خاصة للكالتشيو، وأسهمت في صناعة أجيال من المدربين والنجوم الذين أثروا اللعبة عالمياً. كما أن إيطاليا أنجبت أندية عملاقة مثل يوفنتوس وميلان وإنتر ميلان، وهي أندية ساهمت في كتابة فصول مهمة من تاريخ كرة القدم الأوروبية والعالمية. لذلك، فإن غياب منتخب بهذا التاريخ عن كأس العالم يترك شعوراً بالحزن لدى الجماهير الرياضية في كل مكان. فالمونديال ليس مجرد بطولة تجمع أفضل المنتخبات، بل هو أيضاً ذاكرة جماعية لعشاق اللعبة، ووجود المنتخبات الكبرى يمنحه جانباً من هيبته وبريقه الخاص. وتزداد المفارقة عندما نعلم أن كأس العالم 2026 ستقام بنظام جديد يضم 48 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ البطولة. وقد رأى كثير من المتابعين أن هذه النسخة ستكون الأسهل من حيث فرص التأهل للمنتخبات المنضوية تحت لواء الاتحاد الدولي لكرة القدم، الأمر الذي جعل غياب إيطاليا أكثر إثارة للدهشة والاستغراب. وفي الوقت نفسه، أثار قرار توسيع عدد المنتخبات نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الرياضية. فهناك من يرى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم « فيفا» أصبح يمنح الأولوية للعوائد المالية والتجارية من خلال زيادة عدد المباريات والمنتخبات المشاركة، أكثر من اهتمامه بالمستوى الفني للبطولة. ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن استمرار هذا التوسع قد يؤثر تدريجياً في هيبة كأس العالم ويقلل من صعوبة الوصول إليها، وهي إحدى السمات التي منحت البطولة قيمتها التاريخية لعقود طويلة. وبعيداً عن الجدل المرتبط بنظام البطولة، يبقى المؤكد أن عدم تأهل إيطاليا إلى كأس العالم لا يتناسب إطلاقاً مع مكانتها التاريخية. وقد خيم الحزن على أنحاء البلاد، وبكت الجماهير الإيطالية بعد خروج منتخبها من الملحق المؤهل، هذه المرة بركلات الترجيح أمام البوسنة والهرسك، في مشهد مؤلم أعاد إلى الواجهة أسئلة كثيرة حول مستقبل الكرة الإيطالية. ولم تتوقف تداعيات الإخفاق عند حدود المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى الساحة الإدارية. فقد تصاعدت حدة التوتر داخل الأوساط الرياضية الإيطالية، حيث دعا وزير الرياضة أندريا أبودي رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، غابرييلي غرافينا، إلى الاستقالة، وسط مطالبات واسعة بإعادة بناء المنظومة الكروية من جذورها. إلا أن رئيس الاتحاد رفض التنحي، مؤكداً أن الحل لا يكمن في تغيير الأشخاص فقط، بل في إصلاح شامل يبدأ من القواعد والفئات السنية. وسرعان ما تحولت الساحة الرياضية الإيطالية إلى مساحة لتبادل الاتهامات وتحميل المسؤوليات، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما يحدث أحياناً في رياضتنا العربية عند الإخفاقات الكبرى، حيث يكثر اللوم وتتصاعد ردود الفعل، بينما تبقى المعالجات الجذرية هي التحدي الحقيقي. وفي خضم هذه الأحداث، شهدت تصفيات كأس العالم لحظات تاريخية أخرى، كان من أبرزها تأهل العراق، وهو إنجاز أسعد الجماهير العربية ومنحها مساحة واسعة من الفخر والفرح. لكن تلك الفرحة لم تمنع كثيرين من الشعور بالأسى تجاه غياب منتخب بحجم إيطاليا عن أكبر محفل كروي عالمي. وإذا افترضنا أن إيطاليا ستنجح في العودة إلى كأس العالم عام 2030، فإن ذلك يعني أن غيابها عن المونديال منذ مشاركتها الأخيرة في نسخة 2014 وحتى 2030 سيمتد إلى 16 عاماً كاملة. وهي فترة طويلة للغاية بالنسبة لمنتخب يعد من رموز اللعبة العالمية. والأكثر قسوة من الأرقام هو أثر هذا الغياب على الأجيال الجديدة. فجيل مواليد عام 2005 وما بعده سيبلغ الخامسة والعشرين من عمره في عام 2030 دون أن يعيش تجربة مشاهدة المنتخب الإيطالي في كأس العالم وهو في كامل وعيه وإدراكه. وسيبقى ما يعرفه عن أمجاد الأزوري وإنجازاته العالمية مجرد صور وأشرطة وثائقية وحكايات يرويها الآباء والأجداد. لقد أصبحت النجوم الأربع على قميص المنتخب الإيطالي، التي ترمز إلى ألقابه الأربعة في كأس العالم، ذكرى تاريخية أكثر منها تجربة معاشة بالنسبة لجيل كامل من الشباب الإيطالي. ولهذا، فإن عودة إيطاليا إلى كأس العالم 2030 لم تعد مجرد أمنية أو رغبة جماهيرية، بل أصبحت ضرورة لاستعادة الهوية الكروية لمنتخب صنع جزءاً كبيراً من تاريخ اللعبة. نحن نفرح لتأهل من نحب، ونحتفي بإنجازات المنتخبات التي تحقق أحلام جماهيرها، لكن غياب الكبار يترك دائماً فراغاً يصعب تعويضه. فإيطاليا ليست مجرد منتخب يغيب عن بطولة، بل جزء أصيل من تاريخ كأس العالم وذاكرته. ولهذا فإن عودتها إلى المونديال ليست مهمة تخص الإيطاليين وحدهم، بل أمنية يتشاركها كل من يؤمن بأن كرة القدم تزداد جمالًا عندما يكون كبارها حاضرين. أربع نجوم يتزين بها القميص الإيطالي فرحة لم تتم منتخب إيطاليا عملاق فقد هيبته حزن الجماهير الإيطالية جماهير الآتزوري عبدالكريم بن دهام الدهام - عرعر