غزة تُدير نفسها.. كيف صارت العائلات والمبادرات الأهلية حكومة الظل في التعليم والغذاء والصحة؟

في غياب حكومة فعلية، وبعد حل لجنة الطوارئ وبقاء اللجنة الوطنية في القاهرة، لم تتوقف الحياة في غزة عن العمل. فقد تولّت شبكة واسعة من العائلات والعشائر ولجان الأحياء والجمعيات الصغيرة والمبادرات الشبابية ما تعجز عنه المؤسسات: إطعام الناس، وتعليم الأطفال، وفضّ النزاعات، وتأمين المساعدات. إنها ليست حكومة، لكنها اليوم أقرب شيء إلى حكومة يعيشها الغزيون فعليًا.

يبدأ المشهد من الطعام. فمع انهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية ونقص الخدمات، برزت مبادرات مجتمعية تعمل على إطعام النازحين في المخيمات ونقل مياه الشرب، وهي جهود انطلقت من دون موازنات رسمية أو برامج دولية كبرى وتحوّلت إلى شبكة مساندة يومية تُبقي الحياة ممكنة.

هذه الشبكة تُشغّلها في الغالب أيدٍ متطوعة بلا مقابل. فصبري نبهان، وهو في الخمسين من عمره، يعمل متطوعًا في إحدى التكايا داخل مدرسة رغم أنه لا يتقاضى أي مقابل مالي منذ فترة طويلة، ويقول إنهم كانوا يطهون يوميًا ما بين سبعة وعشرة قدور طعام حسب كمية الدعم المتوفرة. لكن ضغط التمويل يهدد المنظومة كلها، إذ يوضح أن مبادرات كانت توفر الأرز والمعكرونة والعدس والصلصة "لكنّ الدعم توقف منذ أسابيع"، مضيفًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بالطعام بل بغياب وسائل الطهي، مع نقص شديد في الحطب والغاز.

والصورة ذاتها في المخيمات، حيث يقول الناشط عبد الرحمن عايش، العامل ضمن مبادرات خيرية في مخيم النصيرات، إنهم كانوا يعتمدون على دعم جهات إغاثية لتوفير الطعام للنازحين، لكن الأزمة تفاقمت في الأيام الأخيرة، مضيفًا: "نجتهد مع أهل الخير لتقديم المساعدات النقدية والعينية، لكن الدعم تراجع بحدة، وأصبحنا غير قادرين على تلبية احتياجات الناس".

التعليم في الخيمة والقاعة والمساحة المؤقتة

في التعليم، لم تنتظر العائلات إعادة بناء المدارس. فقد ظهرت مبادرات التعليم المجتمعي والنقاط التعليمية لتسدّ فجوة انقطاع المدارس، وتعمل داخل مساحات تعلم مؤقتة أُنشئت حتى في مدارس تحولت إلى ملاجئ للنازحين، حيث يواصل الأطفال دراستهم في مساحات تعلم مؤقتة داخل هذه المباني.

ولا يقتصر العمل على الحصص الدراسية، بل يمتد إلى الترميم النفسي عبر الفن واللعب. فقد تحوّل مقر إحدى الجمعيات الصحية والمجتمعية وسط مدينة غزة إلى مساحة تنبض بالحياة مع مشاركة عشرات الأطفال في أنشطة فنية وترفيهية، في محاولة لإعادتهم إلى التعلم بعد سنوات من الانقطاع والخوف. ويشير مراقبون إلى أن استمرار هذه المبادرات يحتاج دعمًا نفسيًا اجتماعيًا مدمجًا في التعليم والإغاثة، وبناء قدرات للمتطوعين على الإسعافات الأولية النفسية، أي أن العمل الأهلي بدأ يتحول من إغاثة عاجلة إلى منظومة رعاية أكثر تعقيدًا.

كما ظهرت مبادرات موجهة لفئات محددة، منها مبادرات شبابية لتعزيز مكانة النساء والفتيات والأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، وبرامج تعليمية أطلقتها فرق إنسانية غير ربحية لدعم الأطفال والطلبة.

في الجانب الصحي والتغذوي، تعمل الجمعيات المحلية ولجان الزكاة كخط إسناد للمنظومة الرسمية المنهارة. فهناك مشاريع تغذية موجهة تسجّل الحوامل والمرضعات والأطفال، وحملات إغاثية متنوعة تنفذها لجان زكاة محلية في مدن القطاع. وتتولى الجمعيات الخيرية في الأحياء الإعلان عن أرقام هواتف مؤقتة أو واتساب لتسجيل الحالات الإنسانية وتوزيع الخبز أو المياه، في ترتيب بديل عن أي شباك حكومي.

والأهم أن هذه الجهود تُصمّم للوصول إلى الأشد هشاشة: الأيتام والأرامل وذوي الإعاقة وكبار السن، عبر الاندماج مع مجالس لجان الأحياء والمخيمات والتعاون مع ممثلي المخيمات والوجهاء لضمان شمول الفئات المعزولة والأسر التي لا تمتلك هواتف ذكية أو وصولًا للإنترنت. أي أن الوجيه والمختار صارا حلقة في سلسلة توزيع المساعدات، لا مجرد رمز اجتماعي.

الدور الأوسع والأكثر إثارة للجدل هو ما تؤديه العشائر. فقد برز الدور العشائري كأحد أهم أدوات الحفاظ على السلم الأهلي ومعالجة النزاعات المجتمعية في وقت تعرضت فيه المنظومة الحكومية للتفكك.

والأرقام تكشف حجم هذا "القضاء الموازي". فبحسب المسؤول العشائري العكلوك، بلغت الإحصائيات المسجلة خلال شهر مايو في محافظات القطاع الخمس 1938 قضية متنوعة، شملت 23 قضية قتل، و68 قضية سرقة، و26 قضية تتعلق بالأراضي، و396 مشكلة عائلية، و47 حادث سير، و291 قضية مالية، إضافة إلى 1087 مشاجرة ونزاعًا مجتمعيًا. ومن بين ما أُنجز اتفاقيات صلح بين عائلات فلسطينية، منها صلح بين عائلتي أبو فول والصعيدي، واتفاق إصلاحي بين عائلتي بركات وأبو وردة على خلفية مقتل أحد أفراد عائلة بركات.

كما تدخلت العائلات في حماية المساعدات نفسها، إذ أجرى المخاتير ومسؤولو العشائر اجتماعات مكوكية لحث أبناء العائلات على تأمين وحماية المساعدات ومنع انخراطهم في أعمال الفوضى، ونجحت الجهود المجتمعية في تأمين دخول المواد الغذائية إلى المخازن بعيدًا عن الفوضى. وأعلنت العشائر موقفًا حاسمًا بأنها لن تسمح بوجود أي غطاء اجتماعي أو عشائري للمجرمين أو العصابات أو كل من يسعى إلى تهديد أمن المواطنين.

هذا الدور الأهلي المتنامي لا يخلو من حساسية سياسية. فقد أوردت تقارير إسرائيلية أن حماس أنشأت مجتمعات للإيواء والإغاثة داخل مخيمات النازحين وشكّلت لجانًا تتولى رعاية السكان وتقديم الخدمات وإدارة توزيعها، وادّعت أن هذه اللجان تهدف أيضًا إلى ترسيخ وجود قيادات الحركة داخل المجتمع المحلي. وهي رواية تعرضها المصادر بصيغة الادعاء ولم تُقدَّم بشأنها أدلة معلنة، لكنها تشير إلى أن السلطة والخدمة صارا متشابكين إلى حد يصعب فصله.

كما دخلت العائلات على خط السياسة، إذ أعلن عدد من كبار المخاتير ووجهاء العائلات رفضهم القاطع للدعوات المرتبطة بما عُرف بحراك 26 يونيو، معتبرين أنها لا تخدم المصالح الوطنية. وهو موقف يكشف أن الشبكة الأهلية ليست محايدة تمامًا، بل فاعل سياسي بحكم وزنه الاجتماعي.

ما يحدث في غزة اليوم تجربة نادرة في إدارة الحياة من الأسفل. فحين تعطلت الحكومة وتأخرت اللجنة وتقلص الدعم الدولي، لم يبق أمام الناس سوى الناس. المطبخ الذي يطهو عشر قدور، والمساحة التعليمية داخل مدرسة صارت ملجأ، ولجنة الحي التي تسجّل أسماء الأيتام، والمختار الذي يصلح بين عائلتين لمنع دم جديد، كلها مؤسسات صغيرة تسند مجتمعًا بأكمله.

لكن هذه الشبكة تعمل بلا موازنة وبلا تمويل مستقر، وقد بدأت تتصدع مع توقف الدعم. ولذلك فإن أي إدارة قادمة للقطاع، إذا أرادت النجاح، ستحتاج إلى الاعتراف بأن هذه المبادرات ليست منافسًا لها بل هي البنية التحتية الاجتماعية الوحيدة الباقية، وأن دعمها ماليًّا ولوجستيًا قد يكون أسرع طريق لإعادة الحياة إلى غزة من أي خطة إعمار تنتظر توقيعًا سياسيًا.