غزة بين صراع نتنياهو على البقاء ورهان السعودية على السلام! – صبحي شبانة

في الشرق الأوسط، لا تكفي قراءة ما يقوله القادة لمعرفة اتجاه الأحداث، فكثيراً ما تكون الحسابات التي لا تُقال أكثر تأثيراً من التصريحات التي تتصدر المشهد، وهذا ما يجعل الموقف الأميركي من رفض بنيامين نتنياهو لخطة إنهاء الحرب في غزة جديراً بالتأمل، فالرئيس دونالد ترامب، الذي اعتاد ألا يترك تحدياً يمر من دون رد، بدا حتى الآن أكثر هدوءاً مما توحي به طبيعة الخلاف، وكأن في الأمر حسابات تتجاوز تفاصيل الخطة نفسها.

نتنياهو لم يرفض مجرد مقترح لإنهاء حرب، وإنما وضع نفسه أمام معادلة دقيقة: أن يحافظ على دعم قاعدته اليمينية في الداخل من جهة، وألا يخسر شراكة ترامب من جهة أخرى، وبين هذين الخيارين تتحرك إسرائيل نحو انتخابات قد تعيد رسم خريطتها السياسية، بينما تحاول واشنطن إنهاء حرب تريد أن تجعل من إيقافها إنجازاً سياسياً، لا سيما بعد أن أصبحت غزة عنواناً لأزمة إقليمية ودولية لم يعد ممكناً إبقاؤها مفتوحة إلى ما لا نهاية..

..السعودية تتعامل مع المشهد من زاوية أوسع، فهي لا تنظر إلى غزة باعتبارها معركة بين نتنياهو وترامب، ولا باعتبارها مجرد ملف تفاوضي عابر، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة أمن واستقرار إقليمي أوسع ، ولا باعتبارها مجرد ملف تفاوضي عابر، وإنما باعتبارها جزءاً من معادلة أمن واستقرار إقليمي أوسع، ولهذا يصبح السؤال الحقيقي أبعد من مصير خطة بعينها فهل تنجح الحسابات الانتخابية في إطالة الحرب، أم تفرض الحاجة إلى تسوية إقليمية نفسها على الجميع، بحيث تصبح نهاية الحرب بداية لمسار سياسي جديد؟

المفارقة أن نتنياهو، وهو يرفض الخطة الأميركية، لا يواجه ترامب فقط، وإنما يواجه أيضاً الزمن، فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة تقترب، وكل يوم يمر يعيد ترتيب الحسابات داخل معسكره وخارجه، وما كان يمكن أن يبدو قراراً أمنياً خالصاً في ظروف أخرى أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل رئيس الحكومة نفسه.

نتنياهو يعرف جيداً قيمة العلاقة مع واشنطن، ويعرف أكثر قيمة دونالد ترامب بالنسبة إلى إسرائيل، فالرئيس الأميركي منح الحكومة الإسرائيلية دعماً سياسياً واسعاً، ولعب دوراً محورياً في ملف الرهائن، كما جعل من إنهاء الحروب وإعادة رسم خريطة المنطقة جزءاً من صورته السياسية، ولذلك لم يكن من السهل على نتنياهو أن يواجهه علناً، لكنه وجد نفسه أمام مشكلة أكثر إلحاحاً في الداخل الإسرائيلي، فاليمين الذي يعتمد عليه لا يريد نهاية للحرب تبدو في نظره تراجعاً، ولا يريد اتفاقاً يمكن تفسيره على أنه نتيجة لضغوط أميركية، ولا يريد أن تمنح نهاية الحرب خصوم نتنياهو فرصة لفتح الملفات المتعلقة بإدارته للحرب ومسؤوليته السياسية عن إخفاقات السابع من أكتوبر.

وهكذا يصبح استمرار الحرب، جزءاً من معادلة البقاء السياسي، كلما استمرت الحرب، بقيت إسرائيل في حالة طوارئ سياسية وأمنية، وكلما بقيت حالة الطوارئ، تأجلت الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة، أما إذا انتهت الحرب باتفاق، فإن الإسرائيليين سيبدأون بالضرورة في النظر إلى ما حدث من بدايته إلى نهايته، وسيكون السؤال عن المسؤولية أكثر إلحاحاً، وهذا ما يجعل رفض نتنياهو لخطة غزة مفهوماً في إطار حساباته الانتخابية، حتى لو بدا شديد الكلفة على علاقته بترامب.

في السياسة، لا يختار القادة دائماً ما هو أفضل للدولة، وإنما ما يعتقدون أنه أفضل لموقعهم في اللحظة الراهنة، وقد يكون هذا أحد أسباب التناقضات التي تبدو في سلوك نتنياهو، فهو يحتاج إلى ترامب، لكنه يحتاج إلى اليمين أكثر، ويحتاج إلى إنهاء الحرب، لكنه يخشى نتائج إنهائها، ويريد استعادة الأمن، لكنه لا يريد أن تبدأ بعد ذلك مباشرة مرحلة الحساب السياسي، دونالد ترامب من جانبه يريد أن يخرج من حرب غزة بصورة مختلفة عن تلك التي دخلت بها الإدارات الأميركية السابقة إلى حروب الشرق الأوسط، ترامب يريد اتفاقاً يمكن أن يقدمه للرأي العام الأميركي بوصفه دليلاً على قدرته على إنهاء الحروب، ويريد أن يثبت أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى خوض حرب طويلة كي تفرض ترتيباتها السياسية،

ولهذا فإن غزة بالنسبة إلى ترامب ليست قضية شرق أوسطية فقط، إنها جزء من صورته السياسية، وكلما طال أمد الحرب أصبح من الصعب عليه تقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي استطاع أن يغلق الملفات المفتوحة، وكلما اقترب من اتفاق ازدادت حاجته إلى شركاء قادرين على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه على الأرض.

وهنا تظهر السعودية، فالمعادلة المقبلة في غزة لن تكون مجرد اتفاق بين واشنطن وتل أبيب حتى لو استطاعت الولايات المتحدة إقناع إسرائيل والفلسطينيين بوقف القتال، فإن اليوم التالي سيحتاج إلى غطاء عربي واسع، وإلى تمويل وإعادة إعمار، وإلى ترتيبات سياسية وأمنية لا تستطيع واشنطن وحدها توفيرها، السعودية تمتلك في هذا السياق عناصر قوة تجعل دورها مختلفاً، هي دولة محورية في العالم العربي، وشريك استراتيجي للولايات المتحدة، وثقل اقتصادي قادر على المساهمة في إعادة الإعمار، كما أنها تتمتع بعلاقات واسعة مع الأطراف العربية والإسلامية، وتدفع منذ سنوات باتجاه معالجة أصل الصراع لا الاكتفاء بإدارة نتائجه، ومن هنا فإن الدور السعودي في غزة لا ينبغي أن يُختزل في المساعدات أو في الوساطة، الأهم هو قدرتها على المساهمة في صياغة اليوم التالي للحرب.

غزة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، وإنما تحتاج إلى صيغة سياسية تضمن عدم العودة إلى الحرب، وتحتاج إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإلى إدارة قادرة على العمل، وإلى ترتيبات أمنية تمنع تحول القطاع مرة أخرى إلى ساحة مواجهة، وإلى أفق سياسي يعيد القضية الفلسطينية إلى مسارها الطبيعي، وهذه كلها ملفات تحتاج إلى طرف عربي كبير يستطيع أن يجمع بين النفوذ السياسي والقدرة الاقتصادية والعلاقات الدولية، وهنا تصبح السعودية جزءاً من الحل، لا مجرد طرف في التفاوض، فالرياض لا تبحث عن انتصار طرف على طرف، بقدر ما تبحث عن استقرار يمكن أن يصمد، وهذا يفسر أهمية أي تحرك سعودي في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا انتقلت المفاوضات من مسألة وقف القتال إلى مسألة بناء النظام الذي سيحكم غزة بعد الحرب، ذلك أن السؤال الأصعب ليس كيف نوقف الحرب، وإنما ماذا نفعل في اليوم التالي؟، من يدير القطاع؟، كيف تتم إعادة الإعمار؟، من يضمن الأمن؟، ما مستقبل حماس؟، كيف تعود السلطة الفلسطينية إلى المشهد؟، وكيف يمكن منع إسرائيل من العودة إلى الحرب كلما شعرت بأن تهديداً أمنياً ظهر في غزة؟

هذه الأسئلة لا يستطيع نتنياهو وحده الإجابة عنها، ولا تستطيع واشنطن حلها من دون العرب، ولا يمكن أن تكون قابلة للحياة من دون مشاركة فلسطينية.

ومن هنا فإن الرهان على السعودية يبدو أكثر أهمية كلما اقتربت المفاوضات من مرحلة الترتيبات النهائية، لكن المشكلة الإسرائيلية الداخلية قد تظل العقبة الأكبر.