عُدنا إلى الشاشات.. فهل عُدنا أكثر استعدادًا؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

رسالة قصيرة تصل إلى هواتف أولياء الأمور: الدراسة عن بُعد عبر منصة «مدرستي».

لا يبدو المشهد غريبًا. فالمنصة نعرفها، وأبناؤنا يحفظون كلمات المرور أكثر مما نحفظها نحن. وفي العاصمة وحدها تكرّر القرار مرتين في أقل من شهر، على وقع الأحداث المؤسفة التي شهدتها الأيام الماضية، ونحن ما زلنا في الأسابيع الأولى من عام دراسي جديد.

لكن الاعتياد ليس جاهزية. ومعرفة طريق الدخول إلى المنصة لا تعني معرفة الطريق إلى عقل الطالب.

فهل تعلّمنا من تجربة كوفيد-19 كيف ندير التعليم عن بُعد؟ أم تعلّمنا فقط كيف ننقل المدرسة إلى الشاشة؟

والأهم: هل نستطيع هذه المرة أن نمنع فجوة جديدة قبل أن تولد؟

لنكن منصفين. في عام 2020 نجحت المملكة في ضمان استمرارية التعليم حين تعثّرت أنظمة تعليمية كثيرة؛ إذ انتقل نحو ستة ملايين طالب إلى التعليم الرقمي، وتمكّن قرابة 98 % من الطلاب من الدخول إلى منصة «مدرستي»، وفق تقرير البنك الدولي الصادر عام 2022، الذي تناول التجربة السعودية بوصفها نموذجًا جديرًا بالدراسة والاستفادة.

لكن التقرير نفسه أوضح أن أكثر من ثلثي المعلمين اعتقدوا أن مستوى طلابهم ومهاراتهم تحسّنا خلال العام الدراسي 2020-2021.

اعتقدوا.. ولم يكن ذلك قياسًا مباشرًا للتحصيل الفعلي.

ثم عاد الطلاب إلى فصولهم، ولم تُطوَ الصفحة دون مراجعة؛ فقد درست هيئة تقويم التعليم والتدريب الفاقد التعليمي، وخلصت دراساتها إلى أنه أكبر لدى طلاب الصفوف الأولية، وفي الرياضيات أكثر منه في اللغة، واقترحت سبلًا لاستدراكه.

وهذا يضعنا اليوم أمام سؤال مختلف. لم يعد السؤال: كيف نعالج فجوة الأمس؟ بل: كيف نمنع فجوة جديدة؟

فنحن نعرف الآن أين يمكن أن يقع الفاقد، ومن قد يدفع ثمنه أولًا. ومن يعرف موضع الحفرة، لا ينبغي أن ينتظر سقوط العابرين فيها حتى يتحرك.

لقد نجحنا في إبقاء المدرسة متاحة.. والتحدي الآن أن نضمن بقاء التعلّم متاحًا للجميع.

تشغيل المنصة شيء.. وإدارة التعليم شيء آخر

في ذروة الجائحة، فرّق الباحثون في التعليم بين أمرين يبدوان متشابهين: التعليم الإلكتروني المصمَّم تربويًا، الذي يبدأ من أهداف التعلّم ثم يبني عليها الأنشطة والتفاعل والتقويم، والتعليم الطارئ عن بُعد، الذي ينقل الفصل إلى الشاشة لأن الضرورة لا تُمهل.

الأول تصميم تربوي متكامل، والثاني استجابة عاجلة لظرف استثنائي.

في عام 2020 كان الإنقاذ أولوية مفهومة، ولم يكن من العدل أن نطالب أحدًا بتجربة مثالية في ظروف غير مسبوقة. أما اليوم، وبعد سنوات من الخبرة، فقد أصبح من حقنا أن نسأل: ماذا طوّرنا في طريقة التعليم نفسها؟

تخيّل معلمًا يتحدث خمسًا وأربعين دقيقة أمام الكاميرا، والكاميرات مطفأة، وطالب أو اثنان يجيبان عن الجميع، ثم واجب يُرفع في آخر الليل.

هل اكتمل الدرس؟ نعم، وفق الجدول. هل حدث التعلّم؟ لا أحد يستطيع الجزم.

إن عدنا إلى هذه الصورة، فنحن لم نتعلّم.. بل اعتدنا. وهذا هو الفرق بين منظومة تمتلك منصة، ومنظومة تمتلك مرونة حقيقية تتيح لها مواصلة التعليم بجودة مقبولة مهما تغيّر مكان التعلّم أو ظروفه.

المعلم: درّبناه على الأداة أم على إعادة تصميم الدرس؟

اكتسب معلمونا خبرات تقنية مهمة: إدارة الفصل الافتراضي، ورفع المواد، وإسناد الواجبات، والتواصل مع الطلاب إلكترونيًا. لكن المهارة التقنية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها.

السؤال الذي يستحق أن نطرحه: هل تدرّب المعلم على إعادة تصميم الدرس لطالب يجلس وحده في بيته؟

كيف يقسّم المفهوم الصعب إلى خطوات قصيرة؟ وكيف يبني نشاطًا ينجزه الطالب باستقلالية؟ وكيف يكتشف أنه لم يفهم، وهو لا يرى وجهه ولا يسمع تردده، قبل أن تتراكم الأخطاء؟

هذه ليست مهارات تقنية، بل مهارات تربوية في بيئة مختلفة، تتطلب من المعلم أن ينتقل من مجرد عرض المعرفة إلى تصميم تجربة تعلّم يستطيع الطالب التفاعل معها ومتابعتها.

وحين تغيب هذه المهارات، تضغط الخطة الزمنية، ويقترب موعد الاختبارات، فيختار المعلم أقصر الطرق: يشرح، ويكلّف بواجب، وينتقل إلى الدرس التالي. ويُكتب في السجل أن المقرر اكتمل.

المقرر يكتمل على الورق.. ويتآكل في العقول

فالتلقين عبر الشاشة قد يكون أكثر إشكالًا من التلقين في الفصل؛ لأن المعلم يفقد كثيرًا من الإشارات التي تساعده على اكتشاف تشتت الطالب أو تعثره، ولا يعود الصمت دليلًا على الفهم، كما لا تعني الإجابة الصحيحة دائمًا أن الطالب استوعب المفهوم.

ولهذا، فإن تدريب المعلمين على التعليم عن بُعد ينبغي ألا يتوقف عند تشغيل المنصة وإدارة أدواتها، بل يجب أن يمتد إلى تصميم الأنشطة الرقمية، وقياس الفهم أثناء الدرس، وتقديم التغذية الراجعة، والتعامل مع الفروق الفردية، وبناء التفاعل الذي يجعل الطالب شريكًا في التعلّم لا متلقيًا أمام الشاشة.

في الجائحة كان الخطر الصحي حاضرًا في حياة الجميع، أما اليوم فقد يجلس الطالب أمام الشاشة وهو يحمل ما سمعه من أخبار، وما لمحه في وجوه والديه من قلق.

هل نتوقع من طفل في العاشرة أن يركّز في درس الكسور، وذهنه مشغول بما يدور حوله؟

ليس المطلوب أن تتحوّل الحصة إلى جلسة نفسية، بل أن ندرك أن التعلّم يبدأ بالطمأنينة. دقائق في أول الحصة يطمئن فيها المعلم على طلابه، ومرونة معقولة في مواعيد التسليم، وتواصل أقرب مع الأسرة؛ ليست وقتًا ضائعًا، بل جزء من تهيئة الطالب للتعلّم.

وقد قدّمت أوكرانيا تجربة تستحق التأمل؛ إذ تطورت لديها حلول التعليم الرقمي التي أُطلقت في سياق الجائحة، وأصبحت جزءًا من الاستجابة لاستمرار التعليم في ظل الحرب. ليست المقارنة في طبيعة الظروف أو حجمها، بل في الدرس الذي يمكن استخلاصه: ما نبنيه لمواجهة أزمة ينبغي ألا نفقده بانتهائها، بل نطوّره ليصبح قدرة دائمة على الاستجابة للأزمات التالية.

وهذه هي المرونة التي نحتاج إليها؛ أن نمتلك خيارات تعليمية جاهزة، وأن نعرف كيف نستخدمها، ولمن، وبأي أسلوب، دون أن نضحي بجودة التعلّم أو نغفل احتياجات الطلاب النفسية والاجتماعية.

المشكلة ليست في أننا نلجأ إلى التعليم عن بُعد، بل في أن يظل عندنا بابًا للطوارئ: نفتحه حين تُغلق الفصول، ثم نغلقه ونعود إلى ما كنا عليه، وكأن التجربة لم تكن فرصة لإعادة التفكير في طريقة التعلّم.

المنظومة المرنة لا تُخرج خطة الطوارئ من الدرج عند الحاجة فقط؛ إنها تبني قدراتها وتختبرها وتطوّرها باستمرار.

وهذا ما يدفعني إلى طرح فكرة «المقرر الذكي»: أن يكون لكل مقرر توأم رقمي حيّ يرافق الطالب طوال العام، لا يكرر صفحات الكتاب على الشاشة، بل يتابع تقدّمه، ويكشف مواطن تعثّره، ويقترح الخطوة التعليمية التالية وفق احتياجاته.

فإذا أخطأ الطالب في مفهوم رياضي، لا ينتظر حتى الاختبار ليكتشف خطأه، بل يحصل على نشاط إضافي يوضح المفهوم ويتيح له المحاولة مجددًا. وإذا أتقن المهارة، ينتقل إلى مستوى أكثر تقدمًا بدلًا من استهلاك وقته في تكرار ما يعرفه.

ويمكن أن يستفيد هذا التوأم الرقمي من أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليلات التعليمية، ضمن ضوابط واضحة تحمي بيانات الطلاب، وتضمن دور المعلم في تفسير النتائج واتخاذ القرارات التربوية.