(سوق الليل) ذهب رسمه وبقي اسمه.. ويعد رمزاً للمتسوقين يعيش الحجاج عند اكتمال نسكهم وأداء حجهم فرحة غامرة بأن منّ الله عليهم بأداء فريضة الحج، ويعودون قديماً إلى ديارهم في فرحة توثقها هداياهم البسيطة التي يتبضعونها من أسواق مكة البسيطة في ذلك الوقت، حيث يتم توزيعها على الأهل والأقارب والجيران، وقد كانت رحلة الحج قبل عقود من الزمن تتم عن طريق القوافل من الجمال، فبعد أن يجتمع حجاج كل بيت مع أقاربهم وأصدقائهم وبعد آهات الوداع الممزوجة بالدموع الحارقة يخرج حجاج كل بلد قبل ورود السيارات في طريق معروف، ليلتقوا مع إخوانهم من حجاج المنطقة، ويكونوا ركباً متعاوناً، فعلى سبيل المثال يلتقي حجاج منطقة (الوشم) في مكان يجتمعون فيه على الطريق ليسيروا في كوكبة من القوافل، وكذلك حجاج منطقة (سدير) وجل مناطق (نجد)، وباقي مناطق المملكة من جنوبها وشمالها إلى شرقها، ليجدوا في طريقهم الأنس ويتفقد بعضهم بعضاً، وكذلك يفعلون في طريق العودة، وكان من يريد الحج قديماً قبل ظهور السيارات ينتظم في قافلة حج، حيث يجتمع مجموعة من الناس في كل بلدة في رحلة جماعية عن طريق الرواحل من الجمال، التي يتم الاعتناء بها قبل فترة الرحيل بوقت كاف، بإطعامها والعناية بها من أجل أن تتحمل أعباء الطريق، ويحددون يوماً لبدء مسيرة القافلة، فعند بزوغ الفجر تنتظم الرحلة والرفقة بعدد من الجمال قد تتجاوز العشرات، فيمضون لأيام طويلة قد تستغرق قرابة الشهر في مسيرهم وهم ينزلون مع غروب الشمس ليأخذوا قسطاً من الراحة والنوم، وينطلقون مع بزوغ الفجر من أجل استكمال المسيرة إلى الظهر، وعندما تشتد حرارة الشمس في الظهيرة يتوقف الركب للراحة تحت ظل الأشجار، ويسمى هذا الوقت (المقيل)، ويعمد المسافرون إلى تناول بعض الطعام كل على حدة مع أهل بيته بعد أن يترك المطية ترعى حولهم، وقد يكون هذا الطعام بضع تميرات مع (مذقة) ماء باردة من القرب المملوءة، وقد يعجن البعض من الموسرين الطحين (دقيق القمح) فيجمع بعض الحطب ويصنع (قرص جمر)، يفركه بـ(الودك) ويتبعه بشرب الماء، ومن ثم تواصل القافلة المسير إلى وقت الليل، فيتوقف الركب ويعقل كل راحلته حتى لا تسري أثناء الليل وتتركه بلا راحلة، بل إنّ البعض منهم يعقلها ويتوسد يدها لينام الليل، خاصةً وقت شدة البرد حيث تجلب له الدفء، ويحمل المسافر الملابس وأثاثاً خفيفة وما يعينه على هذا السفر الطويل والشاق من أدوية وأعشاب قد يحتاجها أثناء الطريق. ومن أشهر أصحاب الحملات والقوافل في الرياض منذ مطلع القرن الرابع عشر قبل عصر السيارات حملة (بدينان)، وحملة صالح بن هديان، وحملة علي بن عاصم من أهل الظهيرة، وحملة عمر بن بكر تنطلق من قرب مقبرة (معكال)، وكذلك حملة فراج من أهل الحريق، وحملة الكثيري، وحملة الشيخ صالح الدخيّل، وبعد أن يصل الحجيج إلى مكة يؤدون مناسك الحج في بساطة، حيث يتنقلون بين المشاعر في منى ومزدلفة وعرفات بدون خيام، وحتى نهاية أعمال الحج، ثم يطوفون طواف الوداع بالبيت العتيق، ومن ثم تبدأ رحلة العودة إلى الديار فرحين بإتمام ركن الحج. الحج بالسيارات عند ظهور السيارات في المملكة كانت الطرق في بداياتها صحراوية ووعرة، ولم يكن السفر خلالها سهلاً وميسراً، إضافةً إلى أنّ السيارات في حينها لم تكن مريحة، بل إن معظمها كانت سيارات للنقل وليس للركوب والراحة والرفاهية، ومع ذلك فقد باتت وسيلة سفر تغني عن السفر بالرواحل، وبتوفر السيارات ودّع الناس السفر إلى مكة بالرواحل والمشي على الأقدام واستعاضوا بها في ذلك، فقد بات من يريد السفر لأداء مناسك الحج يذهب إلى من يوجد لديه سيارة ويحمل الركاب فيها بالأجرة، حيث يحجز له موعداً معه والسفر به إلى مكة لأداء مناسك الحج، وكانت السيارات في البداية عبارة عن سيارات نقل من نوع (لوري) أو (فرت) كما كانت تسمى سيارات (فورد)، وقد كانت سعادة الناس كبيرة بورود السيارات التي أغنتهم عن ركوب الجمال والمشقة الكبيرة في قطع الطريق، في فترة قد تمتد إلى شهر أو أكثر، بينما السيارة تقطع ذلك في ثلاثة أيام أو أربعة من الرياض إلى مكة، وغالباً ما كانت السيارة أو (اللوري) تحمل من عشرين إلى ثلاثين راكباً، عدد قليل منهم في غمارة السيارة ممن يدفعون ضعف أجرة من يركب في صندوقها الخلفي الواسع، حيث يقوم صاحبها بوضع خشب على جوانبه فيكون هناك طبقتان، السفلى منها يوضع به العفش والحيوانات، بينما كان الركاب يتقاسمون الركوب في الطبقة العلوية مع عائلاتهم، ومعهم طعامهم وشرابهم، وقد كانت الطرق في البداية غير مسفلتة، بل جلها صحراوية، ما ضاعف من وقت الرحلة وزاد من المشقة والتعب، خاصةً عندما تعلق كفرات السيارة في الوحل والطين أو في الرمال الغزيرة، ما يستدعي تعاون جميع الركاب في عملية إخراج السيارة مما علقت به، كما كان الطعام يعدّ بتعاون الجميع، حيث يكون هناك (قطة) على كل راكب (أي يدفع كل راكب مبلغ للصرف على جميع الركاب أثناء الرحلة) ودور في عملية الطبخ والتنظيف وغيرها. هدايا زمان لما كان طريق العودة إلى الديار يستغرق زمناً طويلاً ولم تكن وسائل حفظ الأطعمة معروفة، فقد كان الحجاج يستفيدون من لحوم الأضاحي والهدي خلال إقامتهم في منى وذلك بصناعة (القديد) أو (القفر)، فكانوا يشرحون اللحوم المتبقية إلى شرائح رقيقة وطويلة، ويغمرونها بكميات كثيفة من الملح الخشن لقطع الرطوبة عنها، ثم يمدونها على حبال الخيام أو ينشرونها فوق صخور جبال منى الساخنة تحت أشعة الشمس الحارقة لعدة أيام حتى تجف تماماً، هذا اللحم المجفف المملح كان يصبح زادهم في رحلة الإياب الطويلة، ويعودون بما تبقى منه إلى ديارهم النائية ليوزعوه كهدية بركة محملة بنفحات الحرم الشريف، ومن الهدايا التي لم يكن الناس يغفلونها ولو كانوا محدودي الدخل هدايا الحجاج، والتي كان لها طعم خاصا لذا يحرص الحجاج في أواخر بقائهم في مكة على التبضع من أسواقها لأجل إهداء الأهل والجيران بعد رجوعهم من الحج، وعلى الرغم من ذلك فان هذه الهدايا البسيطة تعني الشيء الكثير، فالكل في انتظارها وذلك لتواصل الناس فيما بينهم وتقاربهم، فإذا عزم أحد على الحج أبلغ أهل القرية ليجدهم في طليعة مودعيه، وبعد عودته يوزع الهدايا عليهم فرحاً بإتمام نسك الحج والعودة إلى الديار سالماً غانماً، فبعد اتمام مناسك الحج لا ينسى الحجاج الهدايا لمحبيهم من الأهل والأصدقاء وللصغار نصيب منها، وكانت الهدايا المعروضة للشراء في ذلك الزمن محدودة، فلا مجال للاختيار وتنحصر تلك الهدايا في (القريض)، وهو حب الحمص الصغير المجفف، و(حلاوة مكة) وهي قطع حمراء بطعم السكر تصنع في قالب كبير ثم تكسر إلى قطع على قدر كف اليد أو أصغر، وكان لها مذاق خاص وطعم حلو رائع، وارتبطت هذه الحلوى بـ(مكة) فعند النظر إليها تعرف أنّها جلبت مع الحجيج أو المعتمرين، وكذلك (السوبال)، وهو الفول السوداني الكامل، ومن ضمن هدية الحجاج يكون هناك (زمارة) للأطفال وخواتم وأساور من المعدن تشبه الذهب، و(الناظور) وهو لعبة صغيرة إذا ضغطت عليها بإصبعيك ظهرت لك صور لمكة والمدينة والمشاعر، كانت آنذاك تدخل السرور والبهجة في نفوس الصغار، إضافة إلى قطع القماش للنساء. سوق الليل يعتبر سوق الليل قديماً أقرب سوق للحرم المكي الشريف، يقع في الجهة الشمالية الشرقية، هذا السوق جزء من حارة سوق الليل ويطل على السوق جبل (خندمة) من الجهة الشرقية، وبجانب هذه البقعة من الجهة الجنوبية يقع جبل أبي قبيس المطل على الصفا والمروة، ويعود عمر هذا السوق إلى مئة سنة، وكان نقطة التقاء التجار في المملكة مع نظرائهم من دول أفريقيا القادمين عبر ميناء ينبع، وكان السوق يبسط ليلا، والمشهور لدى المكيين في السنوات الأخيرة أنه سوق يجتمع فيها الباعة ليلا فسمي بسوق الليل، فكان أهل مكة في الأسواق مثل: سوق الصغير وسوق المعلاة وأهل المنشيات من المسفلة وشعب عامر وغيرها يأتون إلى هذا السوق ليلا ليبيعوا ما بقي لديهم من الأطعمة والأشربة بأي قيمة كانت، وكانت الدكاكين في سوق الليل تمثل لوحة فنية معمارية بسيطة، حيث كانت تصطف الحوانيت الصغيرة بجانب بعضها البعض، يظللها الخشب والقماش، وتفوح منها روائح التوابل والمسك. كانت هذه الدكاكين هي الوجهة الأولى لكل من يبحث عن الأصالة، حيث توفر كل ما يحتاجه البيت المكي وما يرغب الحاج في اقتنائه كذكرى من هذه الأرض الطاهرة، وكان سوق الليل أكبر سوق في مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري وقد ذهب رسمه ولم يبق سوى اسمه لأنه أصبح جزءا من توسعة الحرم المكي، وذلك في إطار الرؤية الطموحة للمملكة لخدمة ضيوف الرحمن، واستيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين، شملت مشاريع التوسعة التاريخية للمسجد الحرام منطقة سوق الليل بمكة، هذه التوسعة لم تكن مجرد إزالة لمبانٍ قديمة، بل كانت نقلة نوعية تهدف إلى توفير سبل الراحة والأمان لزوار بيت الله الحرام، وتحويل المنطقة إلى ساحات واسعة ومرافق خدمية عالمية المستوى. هدايا رمزية اختلفت هدايا الحجاج في وقتنا الحاضر عما كانت عليه في السابق، وباتت هذه الهدايا محصورة في الأقارب فقط، وأصبحت أسواق مكة حالياً تعرض بضائع متنوعة حديثة يشتري منها الحجاج هداياهم وهي عبارة عن أنواع فاخرة من سجاد الصلاة التي بات الكثير من محلات الهدايا يكتب اسم الشخص المراد إهداؤه هذه السجادة عليها بخط جميل، إضافة إلى شراء السواك، والسبح الفاخرة، وعدد من قطع القماش الفاخرة، إضافة الى عبوات من ماء زمزم، وعلى الرغم من سيطرة هذه البضائع على جل الأسواق بالقرب من الحرم المكي الشريف إلا أن هناك عددا من محلات الهدايا التي تعرض هدايا الحجاج القديمة كنوع من الذكرى والتراث، وتسمى تلك المحلات بمحلات (الخردوات) وتلقى تلك المحلات الإقبال، وخصوصاً من الحجاج القادمين من خارج المملكة نظراً لرخص البضائع المعروضة وتعددها. (سوق الليل) ذهب رسمه وبقي اسمه هدايا الحجاج باتت رمزية وللمقربين فقط تغيرت هدايا الحجاج في وقتنا الحاضر أسهم ورود السيارات في اختصار وقت وجهد الحجيج يحرص الحجيج على شراء الهدايا من مكة إعداد: حمود الضويحي