عن ظاهرة الإسلاموفوبيا – د. عبدالحق عزوزي

ثمة مفارقة عميقة تستوقف المتأمل في أحوال عالمنا المعاصر: فكلما تقلصت المسافات بين الشعوب بفضل الثورة الرقمية والتكنولوجية، اتسعت المسافات النفسية والثقافية بينها؛ وكلما تعاظمت وسائل التواصل، تراجعت أحيانًا القدرة على التفاهم والتعارف والاعتراف المتبادل. ولعل تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في عدد من المجتمعات الغربية يمثل أحد أبرز تجليات هذه المفارقة، التي تكشف عن أزمة تتجاوز الخوف من دين أو ثقافة، لتلامس جوهر العلاقة بين الإنسان والآخر.

لقد استحضرت، خلال إحدى المناقشات العلمية، أفكار الفيلسوف الألماني المتميز يورغن هابرماس، أحد أبرز ممثلي الفكر النقدي الأوروبي، الذي جعل من العقل التواصلي وأخلاقيات الحوار مرتكزات أساسية للمجتمعات الديمقراطية. ومن وحي هذا الفكر يبرز سؤال محوري: كيف أمكن لمجتمعات راكمت تراثًا فلسفيًا عظيمًا في الحرية والتسامح وحقوق الإنسان أن تشهد تناميًا مقلقًا لخطابات الارتياب من الإسلام والمسلمين؟

إن جزءًا من الإجابة يكمن في التحولات التي عرفها الخطاب السياسي الأوروبي، حيث أصبحت قضايا الهجرة والدين والهوية أدوات للاستقطاب الانتخابي. فبدل أن تكون الهوية الوطنية فضاءً يتسع للتعدد والاختلاف، تتحول أحيانًا إلى حصن رمزي يراد حمايته من خطر متخيل. ومن هنا تتغذى النزعات الشعبوية التي تقدم الإسلام بوصفه نقيضًا للحداثة، والمسلمين باعتبارهم جماعة متجانسة ترفض الاندماج، متجاهلة إسهاماتهم العلمية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات التي يعيشون فيها.

ولم تعد الإسلاموفوبيا مجرد انطباعات عابرة، بل أضحت ظاهرة توثقها المؤسسات الأوروبية نفسها. فقد كشف تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، الصادر سنة 2024، أن 47 في المائة من المسلمين المستجوبين في ثلاث عشرة دولة أوروبية تعرضوا للتمييز العنصري خلال السنوات الخمس السابقة للاستطلاع. وهي معطيات تؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بما يقال عن المسلمين، وإنما بما يواجهه كثير منهم في فرص العمل والسكن والحياة اليومية.

وقد عايشت شخصيًا بعض تجليات هذه الإشكالية عندما كنت طالبًا في الجامعة الفرنسية، حيث كانت بعض المحاضرات في العلاقات الدولية تقدم تصورات تختزل الحضارة العربية الإسلامية في أحكام مسبقة. وأتذكر نقاشًا خضته مع الأستاذ توماس ليندمان بشأن المكانة التي مُنحت لأطروحة صامويل هانتنغتون حول “صراع الحضارات” في بعض المقررات الجامعية. فقد كنت أتساءل عن جدوى تقديم هذه الأطروحة وكأنها مفتاح نهائي لفهم العلاقات الدولية، بينما تحمل في ثناياها خطر تحويل الاختلافات الثقافية إلى حدود صراعية ثابتة. وكان من إنصاف الأستاذ أن تفهم وجاهة اعتراضي.

إن الحضارات لم تتقدم يومًا بالعزلة، وإنما بالتفاعل والتثاقف وتبادل المعارف. ويكفي استحضار التجربة الأندلسية، رغم ما عرفته من توترات وتناقضات، لندرك حجم الإسهام الإسلامي في ازدهار الفلسفة والطب والرياضيات والفلك، وفي انتقال المعارف إلى أوروبا. ألم تكن مؤلفات ابن رشد وابن سينا والخوارزمي وغيرهم جسورًا معرفية أسهمت في تشكيل جانب من النهضة الفكرية الأوروبية؟

وما يجري في فلسطين، وما رافق مأساة غزة من صور القتل والدمار والتجويع والتهجير، يعيد طرح مسؤولية الإعلام في تشكيل الوعي الإنساني، ويكشف ضرورة التمييز بين النقد المشروع للسياسات الحكومية وبين الكراهية الموجهة إلى جماعات دينية أو شعوب بأكملها. فازدواجية المعايير، حين تقع، تضعف الثقة في الخطاب الحقوقي وتغذي الشعور بالظلم والاغتراب.

إن مواجهة الإسلاموفوبيا لا تكون بتأجيج العداء للغرب، ولا باستبدال تعصب بآخر، بل بإعادة الاعتبار للمعرفة والتربية والحوار والعدالة. فالعيش المشترك ليس مجرد شعار أخلاقي نردده في المؤتمرات، وإنما مشروع حضاري يتطلب إرادة سياسية ومسؤولية إعلامية وشجاعة فكرية. ولا مستقبل لإنسانية تخشى اختلافاتها؛ فالحضارة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إقصاء الآخر، بل بقدرتها على احتضانه دون أن تطلب منه التخلي عن ذاته.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات الدولية الرامية إلى تعزيز الحوار بين الحضارات والأديان والثقافات، وفي مقدمتها تحالف الأمم المتحدة للحضارات، الذي يسعى إلى تحويل الاختلاف من مصدر للتوتر إلى فرصة للتعارف والتعاون. فالأمن الإنساني لا يتحقق بالحدود والأسوار وحدها، وإنما ببناء جسور الثقة وترسيخ ثقافة الاعتراف المتبادل. إننا بحاجة إلى ثورة تربوية وأخلاقية تعيد للإنسان مكانته فوق الانتماءات الضيقة، وتجعل من التنوع الحضاري ثروة مشتركة، لا ذريعة للإقصاء أو التخويف أو صناعة العداوات بين الشعوب والأمم، في عالم تتشابك فيه المصائر.

ثمة مفارقة عميقة تستوقف المتأمل في أحوال عالمنا المعاصر: فكلما تقلصت المسافات بين الشعوب بفضل الثورة الرقمية والتكنولوجية، اتسعت المسافات النفسية والثقافية بينها؛ وكلما تعاظمت وسائل التواصل، تراجعت أحيانًا القدرة على التفاهم والتعارف والاعتراف المتبادل. ولعل تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في عدد من المجتمعات الغربية يمثل أحد أبرز تجليات هذه المفارقة، التي تكشف عن أزمة تتجاوز الخوف من دين أو ثقافة، لتلامس جوهر العلاقة بين الإنسان والآخر.

لقد استحضرت، خلال إحدى المناقشات العلمية، أفكار الفيلسوف الألماني المتميز يورغن هابرماس، أحد أبرز ممثلي الفكر النقدي الأوروبي، الذي جعل من العقل التواصلي وأخلاقيات الحوار مرتكزات أساسية للمجتمعات الديمقراطية. ومن وحي هذا الفكر يبرز سؤال محوري: كيف أمكن لمجتمعات راكمت تراثًا فلسفيًا عظيمًا في الحرية والتسامح وحقوق الإنسان أن تشهد تناميًا مقلقًا لخطابات الارتياب من الإسلام والمسلمين؟

إن جزءًا من الإجابة يكمن في التحولات التي عرفها الخطاب السياسي الأوروبي، حيث أصبحت قضايا الهجرة والدين والهوية أدوات للاستقطاب الانتخابي. فبدل أن تكون الهوية الوطنية فضاءً يتسع للتعدد والاختلاف، تتحول أحيانًا إلى حصن رمزي يراد حمايته من خطر متخيل. ومن هنا تتغذى النزعات الشعبوية التي تقدم الإسلام بوصفه نقيضًا للحداثة، والمسلمين باعتبارهم جماعة متجانسة ترفض الاندماج، متجاهلة إسهاماتهم العلمية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات التي يعيشون فيها.

ولم تعد الإسلاموفوبيا مجرد انطباعات عابرة، بل أضحت ظاهرة توثقها المؤسسات الأوروبية نفسها. فقد كشف تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، الصادر سنة 2024، أن 47 في المائة من المسلمين المستجوبين في ثلاث عشرة دولة أوروبية تعرضوا للتمييز العنصري خلال السنوات الخمس السابقة للاستطلاع. وهي معطيات تؤكد أن المسألة لا تتعلق فقط بما يقال عن المسلمين، وإنما بما يواجهه كثير منهم في فرص العمل والسكن والحياة اليومية.