عندما يصبح الذوق الثقافي متوازنًا

هل ذائقتنا الثقافية لنا فعلًا؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يصبح مربكًا حين نحاول الإجابة عنه بصدق. فنحن نعيش في بيئة ثقافية لا تكتفي بعرض الكتب والأفكار والأسماء، بل تصنع حولها انطباعات جاهزة ،هذا كاتب مهم، وهذا كتاب استثنائي، وهذه تجربة لا يجوز أن تفوّت، حتى يصبح من السهل أن نتبنى الحكم قبل أن نكوّن التجربة. المشكلة ليست في أن نتأثر بما حولنا، فهذا جزء طبيعي من تكوين الذائقة، وإنما في أن نفقد المسافة التي تسمح لنا بأن نختبر الأشياء بأنفسنا. فالذائقة لا تتشكل في الفراغ، لكنها أيضًا لا ينبغي أن تكون انعكاسًا لما يقوله الآخرون. قد نقرأ نصًا فنجد أنفسنا نبحث عن أسباب لإعجابنا به، لأن الجميع من حولنا معجبون به. وقد نستمع إلى رأي نقدي فنقتنع به قبل أن نكتشف أن التجربة التي عشناها مختلفة. وفي أحيان أخرى، لا نملك الشجاعة الكافية لنقول إننا لم نجد في العمل ما وجده الآخرون، لأننا نشعر أن اختلافنا يحتاج إلى تبرير، وكأن عدم الإعجاب دليل على قصور في فهمنا. وهنا تصبح الذائقة الثقافية شبيهة بالعدوى وليست متزنة ، لا تنتقل لأنها صحيحة بالضرورة، وإنما لأنها متكررة. التكرار يمنح الأشياء سلطة غريبة. فعندما نسمع اسمًا كثيرًا، ونقرأ عنه عبارات الإشادة باستمرار، ونجد مجموعة من الأشخاص تتفق على قيمته، يبدأ العقل في التعامل مع هذا الحكم وكأنه حقيقة مكتملة. ومع الوقت قد ندخل إلى الكتاب ونحن نحمل صورته التي صنعها الآخرون، بدل أن ندخل إليه بعيننا نحن. وهذا ما يجعل بعض التجارب الثقافية تفقد أهم ما فيها وهي قدرتها على أن تفاجئنا. القارئ الحقيقي لا يحتاج إلى أن يوافق على كل ما يقرأه. قد يجد في كتاب صفحة واحدة تستحق الاحتفاظ بها، ويترك بقية الصفحات دون أثر. وقد يعجب بفكرة في عمل ويرفض طريقة تقديمها. وقد يقرأ كاتبًا يحظى بإعجاب واسع ولا يجد في تجربته ما يجده الآخرون. هذه ليست مشكلة في القارئ، بل طبيعة التلقي الإنساني وطبيعة الواقع الثقافي . فالعمل الثقافي لا يكتمل لحظة خروجه إلى الناس ، إنه يبدأ حين يدخل إلى تجربة القارئ، وهناك يصبح لكل شخص حقه في أن يراه بطريقته. بل إن أخطر ما يمكن أن يصيب الذائقة هو أن تتحول إلى مجاملة مستمرة. حين يبدأ الإنسان في مدح ما لا يعجبه، وترديد ما لا يؤمن به، فقط لأنه يريد أن يكون داخل الدائرة، فإنه لا يجامل العمل وحده ،بل يتنازل تدريجيًا عن صوته الخاص. ومع كل تنازل يصبح من الصعب عليه أن يعرف . هل هذا رأيه فعلًا، أم أنه رأي استقر فيه من كثرة ما سمعه؟ الثقافة الحقيقية لا تطلب منا أن نتفق، بل تمنحنا المساحة كي نختلف دون خوف. وليس المطلوب أن نعارض لمجرد المعارضة، وإنما أن يكون إعجابنا نابعًا من تجربة، ورفضنا نابعًا من قناعة، لا من رغبة في الانتماء إلى رأي سائد. نحن بحاجة إلى أن نستعيد علاقتنا الأولى بالثقافة ،تلك العلاقة التي تبدأ بالسؤال، وتنتهي بموقف شخصي لا يحتاج إلى تصفيق الآخرين. فالذائقة التي لا تستطيع أن تختلف ليست ذائقة، بل صدى. والثقافة التي تجعل من الإجماع شرطًا للقبول لا تصنع قراءً مستقلين، وإنما تصنع نسخًا متشابهة. وما لم نستعد حقنا في أن نحب ما نحب، ونرفض ما لا يعنينا، حتى حين يخالف ذلك الإجماع، فسنظل نعيش ذائقة لم نخترها نحن بل اختارها وأحبها غيرنا.