عندما يصبح الاختلاف عبئاً على الثقافة

ليست المشكلة أن يتشابه الناس في أفكارهم، بل أن يتعلموا إخفاء اختلافهم حتى لا يدفعوا ثمنه معاداة وإقصاء وتهميش. في الحياة الثقافية، يبدو الاختلاف قيمة نتغنى بها كثيرًا ، نطالب بتعدد الأصوات، واحترام الرأي الآخر، والانفتاح على التجارب الجديدة وتقبل الجديد. لكننا حين نقترب من الممارسة، نكتشف أن قبول الاختلاف ليس دائمًا بالسهولة التي توحي بها الشعارات وتدعو لها الخطابات فقد يُرحَّب بالفكرة ما دامت لا تربك السائد، ويُحتفى بالرأي ما دام لا يحرج أحدًا، ويُمنح صاحب الصوت المختلف مساحة ما دام اختلافه لا يمسّ التوازنات القائمة. وهكذا، قد تنشأ مفارقة تستحق التأمل: بيئة تتحدث عن الحرية الثقافية والأدبية ، لكنها تكافئ الانسجام أكثر مما تكافئ الاستقلال الفكري. لا يحدث ذلك بالضرورة عبر المنع أو الإقصاء المباشر ، أحيانًا يحدث بوسائل أكثر هدوءًا وعقلانية. تجاهل يتكرر، دعوة لا تصل، فرصة تذهب ، أو صمت جماعي يجعل المختلف يتساءل إن كان التعبير عن رأيه يستحق كل هذا العناء. ومع الوقت، لا يحتاج الإنسان إلى من يطلب منه التراجع عن موقفه ، با يكفي أن يلاحظ ما يُكافأ عليه الآخرون، وما يُعاقبون عليه، حتى يبدأ بمراجعة كلماته قبل أن يقولها، وأفكاره قبل أن يعلنها، وربما قناعاته قبل أن يختبرها فتكون الرسالة قد وصلت. هنا لا نخسر رأيًا واحدًا، بل نخسر ما كان يمكن أن ينتج عنه من أسئلة واكتشافات واحتمالات جديدة. فالثقافة لا تتقدم حين تتجاور الآراء فحسب، وإنما حين يُسمح لها بأن تتفاعل، وأن تتصادم بالحجة، وأن تكشف عيوب بعضها بعضًا دون أن يتحول الخلاف الفكري إلى حكم على الأشخاص. وليس المطلوب أن يتحول كل اختلاف إلى معركة، بل أن نتعلم الفصل بين رفض الفكرة وإهانة صاحبها، وبين نقد التجربة وإنكار قيمة من خاضها. ولعل الاختبار الحقيقي لأي بيئة ثقافية ليس قدرتها على استضافة المختلف، بل قدرتها على الإنصات إليه حين يقول ما لا يرغب الآخرون في سماعه، ما دام ملتزمًا بالحوار المسؤول واحترام الآخرين. فليس كل رأي مختلف عميقًا، وليس كل خروج عن المألوف إبداعًا ، لكن الحكم على الأفكار ينبغي أن يكون بالحجة والقيمة، لا بمدى قربها من مزاج الجماعة أو بعدها عن دوائر القبول. إن الثقافة التي تطلب من الجميع أن يكونوا مختلفين، ثم تضيق باختلافهم الفعلي، لا تصنع تنوعًا حقيقيًا؛ إنها تصنع تنوعًا في الأشكال وتشابهًا في المواقف. وأخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة ليس أن يُقصى المختلف، بل أن يتعلم المختلف الصمت، ثم يظن الجميع أن لا أحد لديه ما يعترض عليه.