عندما يبكي الكاتب في يوم توقيعه! – علي حسين (السعلي)

يحمل همّ حروفه، ويقود سلسلة من الأفكار يكتبها على سطور إبداعه، ويغنّي دندنةً وهو يرسم على خارطة أدبه لوحات خيالاته. يبكي فاصلةً، ويرقص فرحًا مع كل تساؤلاته في شتّى اختلاف أماكن وأزمنة شخصياته. يتمايل طربًا حين يقنص صيدًا بمخالب علامات تعجّبه على صفحات كتابته، ويشرب كؤوسًا من الشاي والقهوة الداكنة كلما حام طير فوق سماء شعره وقصصه ورواياته. عندها يصطاد بسنّارة غمزات قهقهاته، فتأتيه تترى، وتسرع إلى منشوراته سعيدةً بصيده الثمين وكنزه الأخّاذ!

يوم عُرس للكاتب أن يرى أفكاره متوّجةً عند آخر كلمة يكتبها من ديوانه أو رواياته وقصصه وإنتاجاته. هو بمثابة عُرس للكاتب؛ فالساعة والتوقيت والأيام والليالي التي سهر فيها مع كتاباته، يقطف في نهاياتها ثمار أرقه الطويل، ويقف موازيًا لها بشموخ أمام منصة تحيط بها روابٍ من كتبه التي تحمل اسمه، ويشرب نخب حروفه بكؤوس مستقبل ابتساماته!

ترجف روحه بِشرًا حين يتلقى التهاني، وتحيط به عدسات المصورين من كل الزوايا، غير أن خلف هذه الاحتفائية قد تتفتّق وجناته، وترقص نفسه بمشاعر تختلط بمشاعر الآخرين، لكنها مغايرة تمامًا؛ مشاعر تليق بصدق الإبداع وعمق الفكر ووتر الأمنيات التي تتحقق أمام ناظريه في وجود محبّيه ومعجبيه!

لحظة! ليس بكاء ضعف، لا وربّي، ولا هو استجداء للتعاطف، لكنّه في حقيقة وجدانه انفجار عاطفي لبركان من التراكمات النفسية والعاطفية؛ فالكتابة في جوهرها عملية استنزاف، لياليَ وأيامًا وسنينَ إن شئتم؛ اقتطاع روحيّ من عاطفة الكاتب، وعصارة أفكاره، وربما سنوات من عزلته التي اختارها بنفسه وبرضاه، وسنوات من شكوكه وقلقه من سؤال: هل تعجب القرّاء؟!

قد يظن القارئ، وهو يقلّب صفحات أي كتاب أدبي، أن الكاتب قدّم خلاصة أفكاره، أو أفرغ ما في جعبته، وانتهى الأمر. لا، لا، عزيزي القارئ!

حين يضع الكتّاب النقطة الأخيرة في إبداعاتهم، فليس ذلك إعلانًا للسلام والراحة فقط، بل إن الحقيقة أعمق وأقسى. كيف؟!

الكتابة ليست مجرد حروف تُصاغ، بل هي «عملية قيصرية» تسبقها حالة مخاض، تكون فيها الأفكار حبلى بالإبداع، وهو إبداع دائم لا ينتهي بصدور إنتاج الكاتب مزخرفًا بالغلاف. لا، لا، النهاية حين يوقّع كتابه في وجود معجبيه ومحبّيه وعشّاق كتاباته. فحين يضع الكاتب قلمه، فإنه لا يودّع أوراقه فحسب، بل يودّع كل عمره، وسريرته التي ظل يحرسها بإخلاص عن عيون العالم.

وما دموع التوقيع أو لحظات التأمل الصامتة إلا صدىً لهذا الإرهاق النبيل؛ إرهاق من يحاول أن يعيد ترتيب الفوضى العارمة في صدره، ويصوغ من الألم جمالًا، ومن الأحلام واقعًا، ومن الغياب حضورًا.

إن بكاء الأديب يوم توقيعه يظل لحظة نادرة ونبيلة؛ إنه الدليل القاطع على أن النص لم يكن مجرد تجارة حروف أو صناعة ورق، بل كان نبضًا حيًّا، وأن الكاتب لم يكتب بقلمه فحسب، بل بدم قلبه.

وفي زمن أصبحت فيه الأشياء استهلاكية وسريعة، تظل تلك الدموع الطاهرة على صفحة الكتاب التوقيعية تذكارًا بأن الأدب الحقيقي وُجد لكي يُبكينا، ليحيينا…

للروح الحيّة التي تعيش بين ظهرانينا، الكاتب والروائي الجزائري حامد ياسين، الذي تصدّر المشهد وأثار موجة واسعة من التعاطف والجدل الثقافي على منصات التواصل الاجتماعي العربية، إثر تداول مقطع فيديو مؤثّر يوثّق لحظة دخوله القاعة المخصّصة لحفل توقيع روايته الجديدة في ولاية تبسة بالجزائر، ليُفاجأ بمقاعد خالية تمامًا من الحضور، وغياب تام للجمهور.

يحمل همّ حروفه، ويقود سلسلة من الأفكار يكتبها على سطور إبداعه، ويغنّي دندنةً وهو يرسم على خارطة أدبه لوحات خيالاته. يبكي فاصلةً، ويرقص فرحًا مع كل تساؤلاته في شتّى اختلاف أماكن وأزمنة شخصياته. يتمايل طربًا حين يقنص صيدًا بمخالب علامات تعجّبه على صفحات كتابته، ويشرب كؤوسًا من الشاي والقهوة الداكنة كلما حام طير فوق سماء شعره وقصصه ورواياته. عندها يصطاد بسنّارة غمزات قهقهاته، فتأتيه تترى، وتسرع إلى منشوراته سعيدةً بصيده الثمين وكنزه الأخّاذ!

يوم عُرس للكاتب أن يرى أفكاره متوّجةً عند آخر كلمة يكتبها من ديوانه أو رواياته وقصصه وإنتاجاته. هو بمثابة عُرس للكاتب؛ فالساعة والتوقيت والأيام والليالي التي سهر فيها مع كتاباته، يقطف في نهاياتها ثمار أرقه الطويل، ويقف موازيًا لها بشموخ أمام منصة تحيط بها روابٍ من كتبه التي تحمل اسمه، ويشرب نخب حروفه بكؤوس مستقبل ابتساماته!

ترجف روحه بِشرًا حين يتلقى التهاني، وتحيط به عدسات المصورين من كل الزوايا، غير أن خلف هذه الاحتفائية قد تتفتّق وجناته، وترقص نفسه بمشاعر تختلط بمشاعر الآخرين، لكنها مغايرة تمامًا؛ مشاعر تليق بصدق الإبداع وعمق الفكر ووتر الأمنيات التي تتحقق أمام ناظريه في وجود محبّيه ومعجبيه!

لحظة! ليس بكاء ضعف، لا وربّي، ولا هو استجداء للتعاطف، لكنّه في حقيقة وجدانه انفجار عاطفي لبركان من التراكمات النفسية والعاطفية؛ فالكتابة في جوهرها عملية استنزاف، لياليَ وأيامًا وسنينَ إن شئتم؛ اقتطاع روحيّ من عاطفة الكاتب، وعصارة أفكاره، وربما سنوات من عزلته التي اختارها بنفسه وبرضاه، وسنوات من شكوكه وقلقه من سؤال: هل تعجب القرّاء؟!

قد يظن القارئ، وهو يقلّب صفحات أي كتاب أدبي، أن الكاتب قدّم خلاصة أفكاره، أو أفرغ ما في جعبته، وانتهى الأمر. لا، لا، عزيزي القارئ!

حين يضع الكتّاب النقطة الأخيرة في إبداعاتهم، فليس ذلك إعلانًا للسلام والراحة فقط، بل إن الحقيقة أعمق وأقسى. كيف؟!

الكتابة ليست مجرد حروف تُصاغ، بل هي «عملية قيصرية» تسبقها حالة مخاض، تكون فيها الأفكار حبلى بالإبداع، وهو إبداع دائم لا ينتهي بصدور إنتاج الكاتب مزخرفًا بالغلاف. لا، لا، النهاية حين يوقّع كتابه في وجود معجبيه ومحبّيه وعشّاق كتاباته. فحين يضع الكاتب قلمه، فإنه لا يودّع أوراقه فحسب، بل يودّع كل عمره، وسريرته التي ظل يحرسها بإخلاص عن عيون العالم.

وما دموع التوقيع أو لحظات التأمل الصامتة إلا صدىً لهذا الإرهاق النبيل؛ إرهاق من يحاول أن يعيد ترتيب الفوضى العارمة في صدره، ويصوغ من الألم جمالًا، ومن الأحلام واقعًا، ومن الغياب حضورًا.

إن بكاء الأديب يوم توقيعه يظل لحظة نادرة ونبيلة؛ إنه الدليل القاطع على أن النص لم يكن مجرد تجارة حروف أو صناعة ورق، بل كان نبضًا حيًّا، وأن الكاتب لم يكتب بقلمه فحسب، بل بدم قلبه.

وفي زمن أصبحت فيه الأشياء استهلاكية وسريعة، تظل تلك الدموع الطاهرة على صفحة الكتاب التوقيعية تذكارًا بأن الأدب الحقيقي وُجد لكي يُبكينا، ليحيينا…

للروح الحيّة التي تعيش بين ظهرانينا، الكاتب والروائي الجزائري حامد ياسين، الذي تصدّر المشهد وأثار موجة واسعة من التعاطف والجدل الثقافي على منصات التواصل الاجتماعي العربية، إثر تداول مقطع فيديو مؤثّر يوثّق لحظة دخوله القاعة المخصّصة لحفل توقيع روايته الجديدة في ولاية تبسة بالجزائر، ليُفاجأ بمقاعد خالية تمامًا من الحضور، وغياب تام للجمهور.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.