عندما تمنح الفكرة وقتها

في كل مشروع معرفي كبير، هناك لحظة يصبح فيها الوقت أكثر من مجرد ساعات متاحة ، يصبح شرطًا أساسيًا لإنتاج شيء يستحق البقاء. ولهذا أصبح التفرغ الأكاديمي والعلمي أمرًا مفهومًا حين يحتاج الأستاذ أو الباحث إلى وقت ينصرف فيه إلى بحث أو دراسة أو مشروع علمي يتطلب قراءة واسعة، وتأملًا، وتحليلًا، ومراجعة، وكتابة متأنية. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: أين يقف الأدب والثقافة من هذا المفهوم؟ لماذا ندرك أن الأكاديمي يحتاج إلى التفرغ لإنجاز مشروعه العلمي، بينما نتعامل مع الكاتب والأديب والمثقف وكأن إنتاجه يمكن أن يولد دائمًا في المساحات المتبقية من يومه، بعد العمل والالتزامات والمسؤوليات؟ الكتابة الجادة ليست نشاطًا هامشيًا يمكن إنجازه بين موعد وآخر، كما أن الكتاب الذي يحمل قيمة أدبية أو فكرية أو معرفية لا يولد دائمًا من لحظة إلهام عابرة. وراء النص الجيد قراءة طويلة، وتجارب وأسئلة، وبحث وتقصٍ، وتأمل ومراجعة، وربما سنوات من التكوين قبل أن يرى العمل النور. الأديب لا يحتاج إلى وقت للكتابة فقط ، بل يحتاج إلى وقت ليقرأ ويفكر ويتأمل ويعيد النظر ثم يكتب. ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم التفرغ الثقافي، لا باعتباره امتيازًا شخصيًا يمنح للأديب، وإنما باعتباره وسيلة لإتاحة الفرصة أمام مشروع أدبي أو ثقافي أو معرفي يحتاج إلى مساحة زمنية حتى يكتمل. فكم من مشروع ثقافي بقي مؤجلًا لأن صاحبه لم يجد له وقتًا؟ وكم من كتاب كان يمكن أن يكون أكثر عمقًا لو امتلك صاحبه فرصة للتفرغ والبحث؟ وكم من مشروع توثيقي أو فكري توقّف لأن متطلبات الحياة كانت أقوى من رغبة صاحبه في إتمامه؟ إن الزمن بالنسبة للمبدع ليس مجرد ظرف خارجي ، إنه جزء من عملية الإبداع نفسها. فالكاتب حين يكتب تحت ضغط الوقت قد ينجز نصًا، لكنه حين يمتلك الوقت قد ينجز مشروعًا. وهنا تكمن أهمية التفرغ الثقافي. نحن لا نتحدث عن تفرغ مفتوح لكل من كتب نصًا أو أصدر كتابًا، ولا عن امتياز دائم يضاف إلى قائمة الامتيازات ، وإنما عن فرصة تمنح لمن يحمل مشروعًا ثقافيًا واضحًا، يحتاج فعلًا إلى التفرغ لإنجازه، سواء كان كتابًا، أو دراسة، أو ترجمة، أو تحقيقًا، أو توثيقًا للذاكرة الوطنية، أو عملًا أدبيًا يحتاج إلى وقت طويل في البحث والكتابة والمراجعة. والأهم أن يكون التفرغ للمشروع لا للشخص ، فالقيمة ليست في اسم الكاتب بقدر ما هي في الفكرة التي يحملها، وفي الأثر الذي يمكن أن يتركه مشروعه. وهذا هو الفارق بين التفرغ بوصفه مكافأة، والتفرغ بوصفه استثمارًا. الثقافة في جوهرها صناعة للوعي، والأدب أحد أهم أشكال هذه الصناعة. وما يكتبه الأديب اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من ذاكرة المجتمع، وما يوثقه الباحث قد يتحول بعد سنوات إلى مرجع، وما ينجزه الكاتب من مشروع فكري قد يفتح أسئلة جديدة أمام أجيال لم تأتِ بعد. لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى التفرغ الثقافي باعتباره إنفاقًا على فرد، بل باعتباره استثمارًا في منتج ثقافي قابل للبقاء. لقد اعتدنا أن نمنح المشاريع العلمية مساحة من الوقت لأنها تنتج معرفة، وربما آن الأوان أن ننظر إلى بعض المشاريع الأدبية والثقافية بالمنظار ذاته ، فالمعرفة لا تأتي دائمًا في صورة معادلة علمية أو دراسة أكاديمية، بل قد تأتي في رواية، أو سيرة، أو تحقيق، أو كتاب فكري، أو مشروع يوثق ذاكرة مكان وإنسان. وفي زمن أصبحت فيه السرعة معيارًا غير معلن للإنجاز، تبدو الثقافة في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة قيمة البطء. فالكتاب العميق يحتاج إلى قراءة، والبحث الجاد يحتاج إلى صبر، والتوثيق يحتاج إلى وقت، والنص الأدبي يحتاج إلى أن ينضج بعيدًا عن استعجال النشر والحضور. لقد أصبحنا نحتفي أحيانًا بعدد الفعاليات أكثر مما نحتفي بما تنتجه هذه الفعاليات من أثر، ونقيس الحراك الثقافي بكثرة الظهور أكثر مما نقيسه بما يبقى بعد انطفاء الأضواء. وربما آن الأوان لأن نضيف معيارًا آخر إلى المشهد الثقافي: ماذا أنجزنا من مشاريع ثقافية ستبقى؟ فالندوة تنتهي بانتهاء موعدها، والفعالية تنتهي بانتهاء برنامجها، أما الكتاب الجيد فقد يبقى عقودًا، والفكرة العميقة قد تعيش في ذهن قارئ سنوات، والتوثيق الجاد قد يحفظ ذاكرة وطن من النسيان. من هنا، فإن التفرغ للأديب أو الكاتب أو الباحث الثقافي ليس ترفًا إذا كان وراءه مشروع يستحق، وليس مجاملة إذا خضع للاختيار على أساس القيمة والأثر، وليس امتيازًا شخصيًا إذا كان الهدف منه إنجاز عمل يعود بالنفع على المشهد الثقافي والمعرفي. نحن بحاجة إلى أن ننتقل من سؤال: من يستحق التفرغ؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما المشروع الذي يستحق أن نمنحه الوقت؟ فربما يكون بين أيدينا اليوم كاتب يحمل فكرة كبيرة، لكن وقته موزع بين متطلبات الحياة، وباحث يملك مادة ثرية لكنه عاجز عن إتمامها، وأديب لديه مشروع قد يضيف للمكتبة العربية، لكنه يحتاج فقط إلى أن تمنحه المؤسسات الثقافية ما هو أثمن من المال أحيانًا: الوقت. والوقت حين يُمنح للفكرة لا يضيع. قد يعود إلينا كتابًا، أو بحثًا، أو رواية، أو ذاكرة محفوظة، أو معرفة جديدة، أو أثرًا ثقافيًا يتجاوز عمر صاحبه. وهذا هو المعنى الأعمق للتفرغ الثقافي: أن نمنح بعض الأفكار فرصة لكي تولد كاملة، بدل أن تبقى ناقصة لأن أصحابها لم يجدوا لها وقتًا. فالثقافة لا تحتاج دائمًا إلى مزيد من الضجيج حولها ، أحيانًا تحتاج فقط إلى أن نترك المبدع قليلًا مع نفسه، ومع كتابه، ومع فكرته، ونمنحه المساحة التي تمكنه من أن يصنع شيئًا يستحق أن يبقى.