عمري الذي ضاع – عبد الله سليمان الطليان

عبارة قصيرة، لكنها قد تختصر سنوات طويلة من الألم. يقولها سجين خرج بعد سنوات خلف القضبان، أو مريض أقعده المرض عن حياته الطبيعية، أو امرأة أو رجل تأخر بهما الزواج، أو إنسان أمضى سنوات في عمل أو علاقة أو ظروف لم يكن يريدها.

وقد يقولها أيضًا (من عاش بعيدًا عن أسرته سنوات طويلة، يكد ويكافح من أجل لقمة العيش، أو من أرهقه العمل وأخذ من صحته ووقته أكثر مما كان يتصور). فقد ينجح الإنسان في توفير المال، لكنه يكتشف بعد سنوات أن أبناءه كبروا، وأن مناسبات كثيرة مرت من دونه، وأن الجهد الذي بذله كان له ثمن آخر لا يظهر في الحسابات: سنوات من العمر لا يمكن استعادتها.

لكن الإنسان حين يقول: «ضاع عمري»، لا يتحدث عن السنوات التي مضت فقط، بل عن (الحياة التي كان يتخيل أنه يستطيع أن يعيشها خلالها)؛ عن زواج لم يحدث، وأبناء لم يأتوا، وفرصة ضاعت، وصحة تراجعت، وحلم لم يتحقق، أو أيام عاشها بعيدًا عن الذين يحبهم.

وهنا يبدأ الألم الحقيقي؛ فالإنسان لا يستطيع استعادة الماضي، لكنه يستطيع أن يبقى أسيرًا له. وقد يتحول السؤال من: «ماذا بقي لي من العمر؟» إلى: «من الذي أضاع عمري؟». وعندما يبحث الإنسان عن المسؤول عن خسارته، قد يتحول الحزن إلى عتاب، والعتاب إلى غضب، ثم إلى مرارة قد تصل أحيانًا إلى أقرب الناس إليه.

ويزداد هذا الشعور عندما يقارن الإنسان نفسه بالآخرين؛ فيرى من هم في عمره وقد تزوجوا وأنجبوا وحققوا أعمالًا وأهدافًا، بينما يشعر هو بأن سنواته مضت في الانتظار، أو في العمل، أو في الغربة، أو في ظروف لم تمنحه الفرصة التي كان يتمناها.

بعض السنوات تضيع بالفعل، وبعض الفرص لا تعود، وبعض الخسارات لا يمكن تعويضها. وليس مطلوبًا من الإنسان أن ينكر ألمه. غير أن الاعتراف بالخسارة يختلف عن تحويلها إلى سجن يعيش فيه بقية عمره.

فالندم قد يكون نافعًا إذا دفع الإنسان إلى مراجعة نفسه، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى إقامة دائمة في الماضي. ومن أقسى الخسارات أن تجعلنا الحسرة على سنوات مضت نخسر سنوات أخرى ما زالت في أيدينا.وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].

وهنا يصبح السؤال الأهم بعد (عمري الذي ضاع): ماذا بقي من عمري؟قد لا يستطيع الإنسان أن يستعيد زواجًا لم يحدث، أو صحةً فقدها، أو سنوات قضاها خلف القضبان، أو فرصًا مضت، أو أيامًا عاشها بعيدًا عن أسرته. لكنه يستطيع أن يبحث عن نصيبه فيما بقي من حياته؛ في العلم، والعمل، والأسرة، والعبادة، والعلاقات الإنسانية، وخدمة الآخرين.

العمر الذي مضى لا يعود، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها. لكن الحاضر لم يصبح ماضيًا بعد.لذلك، ربما لا تكمن الحكمة في أن نقنع الإنسان بأن عمره لم يضع؛ فبعض العمر قد يضيع فعلًا، وإنما في ألا نسمح (للعمر الذي ضاع أن يأخذ معه العمر الذي بقي).فالماضي صفحة لا يمكن إعادة كتابتها، لكن الصفحة التالية لم تُكتب بعد.

عبارة قصيرة، لكنها قد تختصر سنوات طويلة من الألم. يقولها سجين خرج بعد سنوات خلف القضبان، أو مريض أقعده المرض عن حياته الطبيعية، أو امرأة أو رجل تأخر بهما الزواج، أو إنسان أمضى سنوات في عمل أو علاقة أو ظروف لم يكن يريدها.

وقد يقولها أيضًا (من عاش بعيدًا عن أسرته سنوات طويلة، يكد ويكافح من أجل لقمة العيش، أو من أرهقه العمل وأخذ من صحته ووقته أكثر مما كان يتصور). فقد ينجح الإنسان في توفير المال، لكنه يكتشف بعد سنوات أن أبناءه كبروا، وأن مناسبات كثيرة مرت من دونه، وأن الجهد الذي بذله كان له ثمن آخر لا يظهر في الحسابات: سنوات من العمر لا يمكن استعادتها.

لكن الإنسان حين يقول: «ضاع عمري»، لا يتحدث عن السنوات التي مضت فقط، بل عن (الحياة التي كان يتخيل أنه يستطيع أن يعيشها خلالها)؛ عن زواج لم يحدث، وأبناء لم يأتوا، وفرصة ضاعت، وصحة تراجعت، وحلم لم يتحقق، أو أيام عاشها بعيدًا عن الذين يحبهم.

وهنا يبدأ الألم الحقيقي؛ فالإنسان لا يستطيع استعادة الماضي، لكنه يستطيع أن يبقى أسيرًا له. وقد يتحول السؤال من: «ماذا بقي لي من العمر؟» إلى: «من الذي أضاع عمري؟». وعندما يبحث الإنسان عن المسؤول عن خسارته، قد يتحول الحزن إلى عتاب، والعتاب إلى غضب، ثم إلى مرارة قد تصل أحيانًا إلى أقرب الناس إليه.

ويزداد هذا الشعور عندما يقارن الإنسان نفسه بالآخرين؛ فيرى من هم في عمره وقد تزوجوا وأنجبوا وحققوا أعمالًا وأهدافًا، بينما يشعر هو بأن سنواته مضت في الانتظار، أو في العمل، أو في الغربة، أو في ظروف لم تمنحه الفرصة التي كان يتمناها.

بعض السنوات تضيع بالفعل، وبعض الفرص لا تعود، وبعض الخسارات لا يمكن تعويضها. وليس مطلوبًا من الإنسان أن ينكر ألمه. غير أن الاعتراف بالخسارة يختلف عن تحويلها إلى سجن يعيش فيه بقية عمره.

فالندم قد يكون نافعًا إذا دفع الإنسان إلى مراجعة نفسه، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى إقامة دائمة في الماضي. ومن أقسى الخسارات أن تجعلنا الحسرة على سنوات مضت نخسر سنوات أخرى ما زالت في أيدينا.وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].

وهنا يصبح السؤال الأهم بعد (عمري الذي ضاع): ماذا بقي من عمري؟قد لا يستطيع الإنسان أن يستعيد زواجًا لم يحدث، أو صحةً فقدها، أو سنوات قضاها خلف القضبان، أو فرصًا مضت، أو أيامًا عاشها بعيدًا عن أسرته. لكنه يستطيع أن يبحث عن نصيبه فيما بقي من حياته؛ في العلم، والعمل، والأسرة، والعبادة، والعلاقات الإنسانية، وخدمة الآخرين.

العمر الذي مضى لا يعود، وهذه حقيقة لا يمكن تغييرها. لكن الحاضر لم يصبح ماضيًا بعد.لذلك، ربما لا تكمن الحكمة في أن نقنع الإنسان بأن عمره لم يضع؛ فبعض العمر قد يضيع فعلًا، وإنما في ألا نسمح (للعمر الذي ضاع أن يأخذ معه العمر الذي بقي).فالماضي صفحة لا يمكن إعادة كتابتها، لكن الصفحة التالية لم تُكتب بعد.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.