علي جمعة: علمنا رسول الله أن المحبة الحقيقية تربية والنجاة في الصدق

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن سيدُنا رسولُ الله ﷺ ترك لنا من المبادئ العليا: العدلَ، والمساواةَ، والرحمةَ، وعمارةَ الدنيا، وغيرها من القيم الراسخة؛ فمن تمسَّك بها نجا، ومن تخلَّى عنها وقع في أزماتٍ وكوارث ومصائب لا نهاية لها.

وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن رسول الله ﷺ علمنا في مواقف كثيرة، أن نُقدِّم مصلحة الأمة على كل مصلحة، وعلَّمنا ﷺ أن نرضى، وأن نسلِّم بقضاء الله، فلا يكون في كونه إلا ما أراد، وعلَّمنا ﷺ أن نلين لإخواننا، وأن نكون أمةً واحدة، سِلمًا لمن سالمنا، وحربًا على مَن اعتدى علينا.

واشار إلى أن رسول الله ﷺ علمنا الصدق في القول، ونهانا عن الكذب، وعن الخيانة، وعن الفجور في الخصومة؛ فإن الدنيا فانية، وقد قال النبي ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» [رواه البخاري].

وقال ﷺ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» [رواه ابن ماجه].

وعندما تخلَّف الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك، ومنهم كعب بن مالك رضي الله عنه، جاءه نبطيٌّ من نبط أهل الشام، فدفع إليه كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: «أما بعد: فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك».

فعرف كعب رضي الله عنه أنها فتنة، وقال: «وهذه أيضًا من البلاء»، ثم ألقى الكتاب في التنور فأحرقه.

وكان النبي ﷺ، مع تعلق قلبه الشريف بكعب رضي الله عنه، لا يحدِّثه عقوبةً له على تخلُّفه.

وقد قال كعب رضي الله عنه: «فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه... ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر؛ فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني».

كان ﷺ يحبُّه، لكنه كان يعاقبه؛ معاقبةَ الوالد لولده.

وقال ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ» [رواه أبو داود].

فالنبي ﷺ يعلِّمنا أن مصلحة الحاضر والمستقبل مقدَّمة على الرغبات والعواطف، وأن المحبة لا تمنع التربية، وأن الرحمة لا تعني ترك التقويم.

كما علَّمنا الرضا والتسليم بأمر الله، وأن الله سبحانه وتعالى يختار لنا الخِيَرة من أمرنا، وأننا نتوكَّل عليه حقَّ التوكُّل؛ بأن نرضى ونُسلِّم بما يقدِّره الله تعالى لنا.