قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالازهر الشريف، إن هذه الأمة هي أمة الرحمة والهداية، وقد دأب المحدثون في تبليغ حديث سيدنا رسول الله ﷺ لطلبة العلم على أن يستفتحوا بحديث الرحمة المسلسل بالأولية، وقد تسلسلت أوليته إلى سفيان بن عيينة، الذي يرويه عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يبلغ به النبي ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
وأضاف جمعة، فى منشور له عبر فيسبوك، أنه ورد عن رسول الله ﷺ أحاديث كثيرة تحث المسلمين على التخلق بالرحمة فيما بينهم ومع جميع الخلق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ الصادق المصدوق أبا القاسم صاحب هذه الحجرة يقول: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ». [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
وعن سيدنا علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اطْلُبُوا الْمَعْرُوفَ مِنْ رُحَمَاءِ أُمَّتِي تَعِيشُوا فِي أَكْنَافِهِمْ، وَلَا تَطْلُبُوهُ مِنَ الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. يَا عَلِيُّ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَعْرُوفَ وَخَلَقَ لَهُ أَهْلًا، فَحَبَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ فِعَالَهُ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ طُلَّابَهُ، كَمَا وَجَّهَ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ لِيُحْيِيَ بِهِ أَهْلَهَا، وَإِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ». [رواه الحاكم في المستدرك والديلمي].
وأشار الى أن الرحمة لا تُنزع إلا من شقي؛ لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، ورقته علامة الإيمان، ومن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يُرزق الرحمة فشقي، فاعلموا أن غلظة القلب من علامات الشقاوة.
وقد فهم المسلمون هذه الرحمة فهمًا شاملًا، وأحسنوا تطبيق هذا الأدب النبوي الرفيع؛ فقاموا بعمل أوقاف لرعاية الحيوانات والرحمة بها، منها: وقف على مساقي الكلاب، ووقف للكلاب الضالة في عدة جهات، يُنفق من ريعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب؛ استنقاذًا لها من عذاب الجوع حتى تستريح بالموت أو الاقتناء. ووقف لإطعام الخيل العاجزة عن العمل، وكان المرج الأخضر في دمشق وقفًا على الحيوانات المُسِنَّة؛ تأكل حتى تموت دون أن يضطر أصحابها إلى قتلها تخلصًا من نفقاتها. وكان هناك وقف على تمريض القطط والكلاب والحيوانات المريضة ورعايتها حال هرمها.
ولم تقف الرحمة عند إنشاء الأوقاف، بل ظهرت آثارها في العمارة والمنشآت العامة؛ ففي العصر العثماني، وبالتحديد في مجموعة محمد بك أبي الذهب بالقاهرة، أُلحق بالمسجد سبيلٌ لإمداد المارة بالماء، وحوضٌ لسقي الدواب، وكان من أوقافه شراء الغلال ونثرها لإطعام طير السماء. وهكذا امتدت الرحمة إلى الإنسان والدواب والطير، وتحولت من خُلُق يُوعَظ به إلى عمل مؤسسي وواقع يعيشه الناس.
وهكذا كان المسلمون يحوِّلون إرشادات رسول الله ﷺ إلى واقع عملي يعيشون فيه، فحازوا الشرف والعز وخير الدنيا والآخرة.
عودوا إلى تعظيمه ﷺ في نفوسكم، وأقيموه نبراسًا أمامكم، حتى تصلوا إلى ربكم، وحتى ينظر الله إلينا نظر الرحمة.