لشخصية الدكتور علي المالكي سمتٌ خاص، يُشعِر معارفه وأصدقاءه بأنّ علاقته بالأدب عضويّة، فهو على إرث كبير من التهذيب والرقي وفنّ التعامل، كما أنّ صوته الهادئ وهو يتحدث ينمّ عن عُمق معرفي وأخلاقي، يتجلى في طرحه، وفي ثقة من حوله به، وهو راصد بعين خبير للمشهد الثقافي المحلي والعربي والدولي، وفي إجاباته دليل على موهبته القرائية والنقدية، فإلى نص الحوار:• ما سؤال الثقافة المُعاصر؟•• يمكن أن يُنظر إلى هذا الأمر من زاويتين؛ الأولى تتعلّق بالثقافة باعتبارها منتجاً إنسانياً عالمياً، والأخرى بالثقافة باعتبارها منتجاً محلياً، فسؤال الثقافة من الزاوية الأولى يتمحور حول كيفية الاستفادة إيجابياً من التطوّر التقني والذكاء الاصطناعي، مع مراعاة عدم تحوّل الثقافة إلى منتج آلي بلا روح، ومن الزاوية الثانية فإنّ السؤال يتعالق جزئياً مع السؤال الأول من خلال البحث عن التوازن الإيجابي بين التفاعل والمساهمة في المنتج الثقافي العالمي دون فقدان البصمة الخاصة التي تحمل جينات التراث وملامح الهوية.• هل انقلبت الثقافة على نفسها، ولذا غدا تعريفها اليوم انزياحياً؟•• أعتقد أنّه عند الحكم على الثقافة من الداخل باعتبارها فعلاً إنسانياً متعدد المظاهر والأشكال، يمكن القول إنّ الثقافة هي عملية انزياح مستمرة، فهي تتغيّا التميّز وكسر حدود المألوف، وترفض الوقوع في فخ التقليد، ولكن عند النظر إليها من الخارج باعتبارها حالة زمنية تشكلّت ملامحها وتمّ تجاوزها بعد ذلك إلى حالة أخرى كنتيجة طبيعية للتغيير والتطوّر والتقدّم، هنا فقط يمكن القول بأنها تنقلب على نفسها باستمرار، ولكنه انقلاب يحمل صفة المراجعة، فعلى مستوى المصطلحات مثلاً نجد هناك أكثر من كلاسيكية ورومانسية وواقعية، فمثلاً هناك؛ الكلاسيكية، والكلاسيكية الجديدة، وقس على ذلك.• من المؤكد -بحكم الدراسة في فرنسا- أنك تعقد مقارنات بين الثقافة في الغرب والثقافات العربية، ما وجه الشبه والاختلاف بينهما في ما رأيت وتابعت وقارنت؟•• كنتُ محظوظاً بأن أقمت في فرنسا أكثر من 10 أعوام، ما بين دراسة الدكتوراه والعمل في منظمة اليونسكو، ما أكسبني تجارب عدة، إذ عشتُ فيها طالباً وموظّفاً، ما سمح لي بالاحتكاك بأجيال مختلفة في فترات متباينة، والتحاور معها. من هذا المنطلق أستطيع أن أقول إنّ الثقافة في الغرب -وتحديداً في فرنسا- هي ممارسة شعبية يومية على مستوى القراءة وعلى مستوى الحوار، فمثلاً لن تجد فرنسياً مهما كان مستواه التعليمي أو الاجتماعي لا يعرف موليير، وفيكتور هوغو، وبودلير، وغيرهم من الأسماء الأدبية المعروفة. في المقابل ما زالت الثقافات العربية ومجتمعاتها -وإنْ بشكلٍ فيه شكلٌ من التباين- تعتبر الثقافة ممارسة نخبوية يقوم بها بعض المثقفين أو غريبي الأطوار ممن يملكون ترف الوقت والمال حتى يقوموا بتضييعهما بين شراء الكتب وقراءتها والانشغال بها.ونحن في المملكة محظوظون جداً، لأنّه منذ عقد من الزمان، تغيّر حضور الثقافة بشكل جذري وإيجابي، ما انعكس على النظرة الاجتماعية للثقافة وللمثقفين، وما نشهده من حراك وممارسات ومشاركات عالمية، شاهدٌ على ذلك، إذ أصبح هناك إيمان أقوى بدور الثقافة كقوة ناعمة لا تقلّ أهميةً وفعاليةً عن الدور الاقتصادي، ويمكنها أن تسهم بفعالية في الدور السياسي.• لماذا يخامر البعض أنّ الثقافة العربية اليوم غير منتجة شأن ما كانت عليه قبل عقود؟•• زرت معظم معارض الكتب في العالم العربي، هناك حراك وهناك إنتاج ثقافي كبير جداً.. في الدول العربية تمتد مدة المعرض إلى 10 أيام وربّما أسبوعين، بينما في باريس مثلاً التي توصف بأنّها عاصمة النور والثقافة لا تتجاوز مدة معرض الكتاب فيها ثلاثة أيام، وهذا يمكن أن يساعد في الإجابة على هذا السؤال، بأنّ الثقافة فعلٌ يُقاس بالكيف وليس بالكم، ولا يهم كم طبعة وكم نسخة طُبعت من الكتاب، ولكن المهمّ حجم التأثير الذي أحدثه، والأسئلة التي أوجدها، والصدى الذي يمكن أن نلمسه في أقوال الآخرين وكتاباتهم اللاحقة، وهذا يقود لسؤال الترجمة: كم نترجم نحن من الثقافات الأخرى؟ وكيف نستقبل تلك الترجمات ونحتفي بها؟ وكم يترجم الآخرون من إنتاجنا؟ وكيف يتفاعلون معه؟إنّ الإجابة عن أسئلة الترجمة هي مفتاح حقيقي لإعادة اكتشاف ذاتنا الثقافية وتحديد موقعها من العالم.• ألا تخشى من إسهام مواقع التواصل في تراجع الثقة بالثقافة، في ظل استسهال الكتابة؟•• مع الأسف لم تعد مواقع التواصل خياراً بل أصبحت واقعاً يفرض نفسه، وينبغي التعامل معه بإيجابية، وفي ظلّ غياب النقد الموضوعي البعيد عن المدح والقدح، سنجد الكثير من الإنتاج الخالي من القيمة، ولكن أنا أثق بالمثقف الحقيقي، وبأنّه لا يمكن استغفاله بسهولة، فهو الغربال الذي يميّز الغثّ من السمين، وهنا يمكن توظيف مواقع التواصل من أجل كشف تلك الكتابات التي تكاد تخلو من القيمة أو الفائدة، رغم أنّي لا أحبذ فرض الوصاية الثقافية على أحد، إلا أننا نحتاجُ أحياناً لمن يمنحنا بعض الضوء لنتجنب تلك العثرات التي تعترض طريقنا، ويبقى بعد ذلك الخيار لنا في إكمال الطريق أو تغييره.• ما أبرز خصائص الثقافة المنتجة؟ وما أبرز تجلياتها؟•• أولى خصائصها أن تكون حيّة تتفاعل مع ذاتها رأسياً، وتراجع نفسها بموضوعية، وتبني على تراثها وماضيها دون تقديسه أو إلغائه، وأيضاً تتفاعل مع الآخر أفقياً، فتشارك في الإنتاج والترجمة والقراءة والنقد، معتبرةً نفسها جزءاً من الثقافة العالمية. ومن خلال تحقيق كلّ ما تقدّم يمكن أن يتجلّى حضورها بشكلٍ لا يمكن إنكاره.• أين تضع دور الجامعات بين المؤسسات المعنيّة بالثقافة؟ وما مدى رضاك عن دورها؟•• يفترض أنّ الجامعات هي من أهم الأماكن التي تصقل الوعي الفردي بالثقافة وأهميتها ودورها، وتكتشف المواهب وتحاول دعمها وإرشادها للطريق الذي يناسب ما تملكه من إمكانات، والحقيقة أنها بعيدة عن الدور المنتظر منها للمساهمة في الحقل الثقافي، ورغم تطوّر الوسائل والتقنيات ما زالت مع الأسف تتعامل بعقلية وطرق وأساليب تجاوزها الزمن، وأصبح همّها حالياً محصوراً في الربط بين الطالب والتخصص وسوق العمل، فأهدافها اقتصادية مادية بحتة، وأعتقد أنّها تحتاج للكثير من التقييم والمراجعة لأدواتها ومهماتها وأدوارها حتى تأخذ المكان الذي تستحقه في العملية الثقافية.• كيف يمكن لأجيال الثقافة الشباب الاستفادة من المخضرمين؟ وكيف ترى تواصل الأجيال؟•• ممّا يروى في كتب التراث أنّ الشاعر أبا تمّام طلب من البحتري أن يحفظ ألف بيت ثم ينساها ويبدأ بعد ذلك في النظم، ولهذا فإنّ الاطلاع على التجارب السابقة للمخضرمين واستيعابها مع الحذر من الوقوع تحت سلطتها الفنية والخضوع لسطوتها الفكرية هو الأساس الذي يمكن أن يكون نقطة الانطلاق الحقيقية لأدب أي كاتب شاب.في ما يخص عملية التواصل بين الأجيال، نجد أنّه في الماضي كان الحصول على الكتب عملية شاقة تستلزم السفر أو توصية بعض الأصدقاء بجلب الكتب أو إرسالها عبر البريد، ناهيك عن تلك التي نفدت طبعاتها وأصبحت نادرة جداً، وحالياً أصبحت العملية معكوسة فالحصول على أي كتاب سهل وميسر، ولكن الوقت الكافي أصبح العنصر النفيس في هذه العملية التواصلية في ظلّ زيادة المعروض وتوفّره. لكل زمن ظروف تواصل تخلقها الظروف والتغييرات، وعلى كل جيل أن يحاول أن يتكيّف معها، ويجد أسلوبه الخاص للاتصال بماضيه. ما أقصده تحديداً أنّ وسائل الاتصال بين الأجيال اختلفت، وهذا سيؤثر بشكلٍ ما على باقي مكونات العملية الاتصالية.• متى يمكن أن تموّل الثقافة والآداب نفسها؟•• نشر الوعي بالثقافة في المجتمع بشكل مدروس وواسع، وفتح الأبواب للآخر للاطلاع بحرية على إنتاجنا الثقافي، سيساهم ذلك كلّه بشكل ملموس في تحويل رأس المال الرمزي المتمثّل في الكتب والمتاحف والآثار إلى مصدر دخل اقتصادي مهم، يمكن أن يجعل الثقافة كالنبات تقوم بعملية التمثيل الضوئي الخاصة بها وتعتمد على ذاتها، وتساهم كذلك في تنشيط ودعم اقتصاد باقي المجالات الأخرى ومنها السياحة مثلاً.• أيهما أكثر حظوة اليوم؛ الكاتب أم القارئ؟•• لا شك أنّ الكاتب فُتحت له أبواب كثيرة كانت مغلقة في وجهه سابقاً، كالترجمة والانتشار والحضور الإعلامي وتحويل بعض النصوص إلى أعمال مرئية أو مسموعة، وهو أمر إيجابي جداً، ولكن علينا ألا ننسى أنّ المنافسة بين الكتّاب ليست سهلة على الإطلاق، في ظلّ الانفتاح الإعلامي العالمي الحالي، ولهذا أجد القارئ لديه حظوة أكبر، ولكنهّا كذلك ليست خالصة، فهو ما زال يبحث عن وسيلة فعّالة لغربلة هذه الوفرة الإنتاجية غير المسبوقة التي تجعله يعطي الحيرة والتردد الكثير من الوقت يفوق أحياناً ذلك الذي يستثمره في القراءة الحقيقية التي تحقق له المتعة المنتظرة.• هل تراجع النقد الأدبي وغدا الكُتّاب يتبادلون الكتابة النقدية من باب المجاملات؟•• في مواقع التواصل الاجتماعي هناك الكثير من تبادل المجاملات، وهناك أحياناً القدح الذي ينطلق من مواقف شخصية وليست موضوعية نقدية، وهنا تكمن خطورة الأمر في كون السواد الأعظم من الجمهور موجودون يومياً في تلك المواقع، ما يجعلهم يبنون اختياراتهم ويضيعون أوقاتهم عقب ذلك في قراءة عمل أدبي اعتماداً مثلاً على تغريدة لكاتب أو ناقد تحمل حكماً قيمياً في سياق الرد على مجاملة لكاتب آخر أو مهاجمته، ولهذا يجد بعض النقّاد أنّ التعامل مع نصوص الأدباء الموتى أو الأجانب يحمل من الموضوعية أكثر بكثير من تلك التي تحظى بها النصوص الصادرة عن كتّاب عرب ما زالوا على قيد الحياة، ما قد يتسبب في مناكفات عبثية يُطلق عليها تضخيماً وجزافاً ومبالغةً «معارك نقدية»، وهي تبدأ وتنتهي من أمور لا علاقة لها بالثقافة لا من قريب أو بعيد.• بماذا يمكن ضبط سيولة النشر والتوزيع؟•• هناك وظيفة ما زالت تلعب دوراً جوهرياً في المشهد الأدبي الأوروبي وهي وظيفة المحرّر الأدبي، وهو شخص قارئ ومطلّع ويحمل فكراً يجعله يقيّم الكثير من النصوص تقييماً فنياً، ما يساعده بعد ذلك في مناقشة الكثير من النقاط مع الكاتب والتدخل في بناء النص لدرجة تصل أحياناً إلى هدمه بالكامل وإعادة بنائه وكتابته من جديد، وقد يكون لدى دار النشر مجموعة محررين في مجالات مختلفة. وهذه الوظيفة تكاد تكون معدومة في العالم العربي، إلاّ ما قلّ وندر، ولهذا تخرج الكثير من الكتب وهي تحمل الكثير من الأخطاء الفنية واللغوية والنحوية والإملائية، وتتكرر للأسف في الطبعات اللاحقة حتى وإنْ تغيّرت دار النشر، لأنه كما ذكرت سابقاً؛ النظرة تركّز على الكمّ وليس على الكيف. ولهذا فإن إعادة الاعتبار والقيمة لهذا العمل من شأنه -في رأيي- أن يضبط كثيراً هذا الطوفان العارم من الفوضى في عالم النشر والتوزيع.• كيف تقرأ التوجّه لسحب بعض الجوائز بسبب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي؟•• هذا التوجّه يجعلنا ندخل إلى مجال «أخلاقيات التقنية والذكاء الاصطناعي»، فالأمر يحتاج إلى تقنين وإلى معايير يتمّ الاستناد إليها بشكل منضبط ومتفق عليه عالمياً، حتى وإنْ تمّ تعديلها وتغييرها من حينٍ لآخر، من أجل ضبط سبل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بطريقة تحافظ على روح العمل من جهة، وتحفظ للإنتاج البشري قيمته الحقيقية. وأعتقد أنّ المشكلة ستبقى لفترة طويلة من الزمن، لأنّ جوهرها يكمن في التطوّر المتسارع للذكاء الاصطناعي الذي لا يعطي الوقت الكافي للإنسان حتى يكيّف تلك المعايير مع ما يستجد في هذا المجال.