على طريق الحقيقة.. من بعقلين الشوفيّة إلى مدراس الهنديّة تحيّة لروح العارفة الزاهدة د. نهاد أبو عيّاش في ذكرى غيابها الأولى – جريدة الأنباء الإلكترونية

"سبحان من جعل الطرق إليه تبتدي بذكره، وتُقطع بوِرْدِه، وتنتهي مراحلها بنأي عن أنا ظاهريّة تعيث في النفس قلقًا وخوفًا، إلى أن يأتي اليقين كالسيف القاطع، فلا هو إلّا هو، فتسبح النفس في يمّ السلام، وتعود إلى ربّها راضيةً مرضيّة...".

هكذا وصفتْ د. نهاد أبو عيّاش رحلة الإنسان بروح تسكن جسدًا، ليرجع إلى مصدره وحقيقته في وقت معلوم، وفي قدر مرسوم. فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون... حقًّا وصدقًا، وإيمانًا ويقينًا.

ولمن فاتته معرفة الزاهدة الصامتة، المقيمة في الذات، د. نهاد أبو عيّاش، نضع في هذه السطور لمحات من سيرتها المضيئة، وهي التي كانت تؤثر الصمت على الكلام، وعاشت حياتها المليئة بالاختبارات والإنجازات الروحيّة، في ظلّ كلمة واحدة كانت إن نطقت، تجلّت على شفتيها، هي "الحمد لله".

ابنة بعقلين، وُلدت نهاد في كنف عائلة كريمة محافظة، بفضلٍ من والدٍ واعٍ (هو المرحوم فؤاد أبو عيّاش)، ووالدةٍ رؤوم محبّة أحاطت بأبنائها الأربعة، نهاد وعصام وسمير ونوال، بالكثير من الاهتمام والحرص على نيلهم التعليم النافع والثقافة العالية، فبرزت نهاد منذ طفولتها، محبّة للعلم، شغفة به، متطلّعة لاستكشاف ما يحيط بها من عالم، أو عوالم، أرادت بقلبها- هناك- حيث بدأت الشرارة الأولى لهذا القلق المعرفيّ تجاه الحياة ومكنوناتها، أن تلج أسراره، وأن تجيب ذلك الهاتف الدائم في داخلها بسرعة.

في سنّ الرابعة عشرة، أدركت نهاد أنَّ طريقها سيأخذ منحنى مختلفًا، وغريبًا إلى حدّ ما، وذلك بعد أن رأت نفسها في المرآة، وهي تضع "الساري" الهنديّ، فدُهشت بدهشة الفَرِح الذي أدرك ما كان يبحث عنه، فاحتفظت بهذا الهدف في قلبها الذي بدأ يجول في عالم الفلسفة والفكر الوجوديّ، والماورائيّات، مستلهمةً من الكتب التي كانت تقع عليها "حكايا الذات للذات"!

كَبُرت الفتاة الصغيرة، وكَبُر حلمها معها، ورافق خطواتها الجامعيّة، حيث درست الفلسفة في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وكانت كالظمآن، تنهل ولا ترتوي، وتسأل عن كلّ فكرة وسبب. وكان أن قادتها خطواتها إلى المختارة، في زيارة اعتادت سيّدات العائلة القيام بها كلّ فترة لزيارة الستّ نظيرة، فالتقت بالمعلّم كمال جنبلاط وتحادث معها، فقرأ في عينيها هذا التوهّج الذي يتلألأ عند ذكر الكتب والعلم، فرافقها إلى مكتبته، وطلب منها انتقاء كتبٍ لتقرأها، فاختارت كتابًا للإمام الغزاليّ، وآخر لديكارت، فسألها المعلّم: ولمَ اخترتِ هذين الكتابين؟ فأجابت بأنَّها ترتاح لما يطرحان من أفكار فلسفيّة عميقة.

لم تكن إجابة نهاد وليدة كلام عابر، بل كانت المدخل إلى عالم الصوفيّة الرحب، من خلال أطروحتها التي عالجت فيها فكر الإمام الغزالي، لتظهر لها معها آفاق ذلك الطريق القديم الذي حملته في ثنايا ذاتها لسنوات طوال، وأدركت أنَّ دربها سيكمل سياقه، لكن ليس في لبنان، بل... في الهند!

وبناءً على نصيحة من أستاذها المشرف على الإجازة، قرّرت نهاد مراسلة إحدى الجامعات في الهند، لمتابعة دراستها العليا في الفلسفة. وللمرّة الثانية، زارت نهاد قصر المختارة، طالبةً من المعلِّم أن يساعد في حصولها على التأشيرة (الفيزا)، كونه كان يزور الهند باستمرار، وتجمعه علاقة طيّبة مع السفارة في بيروت. وحينما سألها عن سبب رغبتها في السفر إلى الهند، استعارت قول غاندي، بأنَّ سنّ الأربعين هي السنّ المثاليّة لاكتشاف الحقيقة! فسألها المعلّم مستغربًا: وهل بلغتِ الأربعين؟ (وكانت لا تزال في أواخر العشرينيّات من عمرها)، فأجابته ببراءة: أشرف عليها من بعيد. فضحك المعلّم، وضحك من كان معهم في هذا اللقاء، وعلم بأنَّ الدافع لهذه الشابّة، أقوى من معيار الزمان والمكان، فقد صاح قلبها منذ زمن: "أنا لستُ ذاهبة للعلم فقط، أنا ذاهبة لأجد حكيمًا"!

حصلت نهاد على "الفيزا"، ومعها مباركة الوالد والوالدة في سعيها الذي نوت عليه. فغادرت بعقلين، والشوف، وبيروت، بعد أن منحت كلًّا منها زادًا من معرفتها وخصالها الجميلة الأنيقة، إذ عملت مدرّسة في أثناء تحصيلها العلميّ، وأكملت في هذه الرسالة بعد عودتها إلى الوطن، بعد قطف ثمار الحقيقة من بستان الروح الغنيّ.

كانت جامعة نهاد في مدراس الهنديّة، وكان أستاذها "م. ب. مهاديفن" المشرف على الأطروحة، في استقبالها؛ فبدأت رحلة من نوع آخر، رحلة العشق الإلهيّ، والغوص في الذات العليا، واستشراف الأنوار، ضمن قدر مرسوم، كما سبق وقلنا، وكم كانت فرحتها كبيرة، لا بل وصفتْها بأنّها "هديّة الذات" إليها، بعد أن اكتشفت أنَّ أستاذها هو نفسه الحكيم الذي سيقودها في رحلتها الروحيّة! فأطبقت على هذه الغبطة بأيدي القلب الوارف بظلال اليقين، وطالت الكنز الجميل الذي سكن قلبها لسنوات، وتركت نهاد اللباس التقليديّ الذي كانت ترتديه، وانسكبت نورًا في "الساري" الذي لاءمها قلبًا وقالبًا، وبقيت فيه لحين مغادرتها لهذه الحياة.

وهكذا كانت ولادة نهاد المتأمّلة اليوغيّة، والتي استطاعت أن تجد في الهند الأجوبة عن أسئلتها، فكانت أن التقت بالكثير من الحكماء، وعلى رأسهم شري شانكارا آتشاريا، وشنماينندا (الذي زار بيروت)، وتمرّست على اختبارات يوغنندا، وفيفاكنندا، ورامانا مهاريشي، وبقي الحظّ الكبير بلقاء المعلّم كمال جنبلاط الذي التقاها أكثر من مرّة في الهند، على هامش الرحلات التي كان يقوم بها كما ذكرنا، وكانت نهاد هي من أخبرت المعلّم عن الحكيم شري شنكارا آتشاريا، فذهب برفقتها، والحكيم مهاديفن للقائه، وكان "يومًا عظيمًا"، كما وصفتْه.

بعد عودتها من الهند، دامت صداقة الحقيقة والأرواح مع المعلّم كمال جنبلاط، فداومت على اللقاء به، ومجموعة من الأولياء والباحثين، كلّ يوم سبت من كلّ أسبوع، في قصر المختارة. وكانت النقاشات بجلّها في الروحانيّات والعلوم الروحيّة. وقد قامت آنذاك، بتعريب العديد من الكتب، والكتابات الروحيّة بتكليف من المعلّم؛ فتشرّبت أسلوبه، ونمط حياته، وسعي الروح، إلى أن كان يوم ارتحال المعلّم عنّا... فعاشت نهاد حزنًا لا مثيل له، وباتت ترصد في تأمّلاتها أصداء هذا التقاطع وسببه. وتروي في كتاب "قالوا في المعلّم كمال جنبلاط"، الصادر عن الدار التقدّميّة، ردّ الفعل الذي ساد الهند عند شيوع خبر اغتياله، وقد كانت الشاهد على أكثر من حدث يتعلّق بجريمة العصر، منه من عرفته في "أشرم" شري شنكارا آتشاريا، من أنَّ الحكيم العظيم طلب إيقاد الشعلة احترامًا لارتحال "روح عظيمة" هي كمال جنبلاط. هذه الشعلة التي لم توقَد إلّا لمرّتين اثنتين فقط؛ عند ارتحال المهاتما غاندي، والرئيس جواهر لال نهرو!

بعد اغتيال المعلّم، حملت نهاد شعلة المعرفة الروحيّة، وصعدت إلى منابر الكلام، إذ كان في قلبها الكثير ممّا يجب أن يُقال في الراحل الكبير، المعلّم الحبيب، فأقامت الندوات والمحاضرات عنه، وعن نوره الروحيّ، وحكمته المنبثقة من الحقيقة. ثابرت على هذا لسنوات، وعملت إلى جانب د. خليل أحمد خليل، في تعريب كتاب "أناندا- السلام"، كما وضعت مقدّمة جليلة لكتاب "الفلسفة واليوغا في بلاد الحكماء"، وهما كتابان للمعلّم كمال جنبلاط.