وراء قصة نجاح ستيف جوبز، مؤسس شركة «آبل»، توجد مرحلة أقل شهرة ارتبطت بشركته «NeXT» وتعاونها مع جهات حكومية واستخباراتية أمريكية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وتعود القصة إلى الفترة التي كان فيها جوبز خارج «آبل»، ويحاول إنقاذ مشروعه الجديد الذي واجه صعوبات تجارية بسبب ارتفاع تكلفة أجهزته.
وبحسب رواية الصحافية المتخصصة في الأمن القومي شارون واينبرغر، فإن هذا التعاون لم يكن مجرد صفقة تجارية عادية، بل منح «NeXT» تمويلًا ووقتًا إضافيًا ساعداها على مواصلة تطوير تقنياتها، قبل أن تعود هذه التكنولوجيا إلى «آبل» بعد سنوات.
بعد خروجه من «آبل» في ثمانينيات القرن الماضي، أسس جوبز شركة «NeXT»، وركز على تطوير أجهزة كمبيوتر متقدمة تستهدف الجامعات والمؤسسات التعليمية.
تميزت أجهزة الشركة بإمكانات قوية في المعالجة والرسوميات والشبكات، لكنها كانت باهظة الثمن، إذ وصل سعر محطة العمل إلى نحو 6500 دولار، وهو ما حد من انتشارها وخلق تحديات تجارية أمام الشركة.
وفي تلك الفترة، أبدت جهات في الاستخبارات الأمريكية اهتمامًا بتقنيات «NeXT»، خاصة إمكاناتها في التعامل مع الصور والبيانات. ووفق الرواية، زار مسؤولون أمريكيون مقر الشركة في كاليفورنيا، من بينهم جو روميلو من وكالة الاستخبارات المركزية «CIA»، وجيف هاريس، الذي تولى لاحقًا قيادة «مكتب الاستطلاع الوطني».
وكان الهدف الاستفادة من قدرات الحوسبة والشبكات في التعامل مع صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية.
مع تطور التعاون، طلبت الجهات الحكومية تعديلات خاصة على أجهزة «NeXT»، تضمنت تحسين قدرات المعالجة والرسوميات لتناسب الاستخدامات المطلوبة.
وتشير الرواية إلى أن بعض الأجهزة كانت تنقل إلى مواقع يشرف عليها متعاقدون مع الحكومة لإجراء تعديلات إضافية، قبل استخدامها في بيئات حكومية واستخباراتية.
وكانت قدرات «NeXT» الشبكية ذات أهمية خاصة في ذلك الوقت، إذ ساعدت التكنولوجيا على التعامل مع الصور والبيانات وتبادلها عبر شبكات داخلية، في فترة لم تكن فيها مشاركة الصور الرقمية أمرًا سهلًا كما هو الحال اليوم.
وبحسب واينبرغر، ساهم هذا التعاون في توفير مصدر مالي مهم لـ«NeXT»، ومنح جوبز فرصة لمواصلة تطوير الشركة. ومع ذلك، لا يمكن القول إن الصفقة وحدها أنقذت الشركة، خاصة أنها كانت مدعومة أيضًا من مستثمرين، بينهم رجل الأعمال روس بيرو.
تزداد أهمية هذه القصة عند النظر إلى ما حدث لاحقًا. ففي عام 1996، استحوذت «آبل» على «NeXT»، وعاد ستيف جوبز إلى الشركة التي شارك في تأسيسها.
ولم تكن عودة جوبز وحدها هي العنصر الأهم، إذ انتقلت أيضًا تقنيات «NeXT» إلى «آبل»، وعلى رأسها نظام التشغيل «NeXTSTEP»، الذي أصبح أساسًا لتطوير «Mac OS X»، ثم امتدت تقنياته إلى أنظمة ومنتجات لاحقة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فشركة أسسها جوبز بعد خروجه من «آبل» واجهت أزمة تجارية، ثم حصلت على فرصة للاستمرار من خلال التعاون الحكومي، قبل أن تستحوذ عليها «آبل» وتستفيد من تقنياتها.
ولا يعني ذلك أن «CIA» صنعت نجاح «آبل» أو كان لها دور مباشر في منتجات مثل «آيفون»، لكن القصة تكشف جانبًا غير معروف من مسيرة جوبز، كما تسلط الضوء على العلاقة التاريخية بين قطاع التكنولوجيا الأمريكي والمؤسسات الحكومية.