عطلة الأسبوع الذهبي في الصين.. أكثر من مجرّد طفرة موسمية

تستمر السياحة الوافدة إلى الصين في اكتساب الزخم، مع تزايد أعداد الزوار من الخارج والذين يأتون إلى الصين لتجربة جاذبيتها الثقافية والسياحية وانفتاحها وحيويتها.وتأتي عطلة الأسبوع الذهبي في بداية أكتوبر/ تشرين الأول في هذا السياق، لتتعدى العطلة الطويلة كونها طفرة موسمية إلى ما هو أعمق وخصوصاً في الجانب الاقتصادي، مع التركيز على البعدين المحلي والخارجي للقطاع السياحي الأوسع، والمرتبط بتجارة التجزئة، ومختلف مجالات السفرفليست الطفرة في السياحة القادمة إلى الصين خلال العطلة صدفة. إنما تعكس جهود الصين المستمرة لتوسيع الانفتاح وتسهيل السفر بينها وبقية أنحاء العالم.ففي السنوات الأخيرة، واصلت الصين تحسين سياساتها المتعلقة بالتأشيرات والدخول، حيث تغطي سياسة العبور بدون تأشيرة لمدة 240 ساعة الآن 57 دولة، وتكون 61 دولة مؤهلة لدخول هاينان لمدة 30 يوماً بدون تأشيرة.**media[8160812]**وفتحت السياسات الثنائية والمتبادلة بدون تأشيرة أبواب الصين أمام العالم بشكل أكبر.كل هذه الاجراءت زادت من التبادلات بين الناس. ففي النصف الأول من هذا العام، دخل 17.815 مليون أجنبي إلى الصين بدون تأشيرة، ما مثل 77.7% من إجمالي الوافدين الأجانب.بلغ عدد الأجانب الذين دخلوا الصين في النصف الأول 22.914 مليون، بزيادة 20% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ومن بينهم، ارتفع عدد الأجانب الذين دخلوا بدون تأشيرة بنسبة 30.6% مقارنة بالعام الماضي.الأسبوع الذهبي وينطبق هذا على السفر والسياحة المحليين، وكذلك على سفر الصينيين إلى الخارج، لتتحول عطلة الأسبوع الذهبي في الصين للعام 2026 إلى أكثر من كونها مجرد طفرة موسمية في حركة السفر.شجعت العطلة الطويلة بشكل استثنائي المسافرين الصينيين على البقاء في الخارج لفترات أطول، والسفر لمسافات أبعد، والجمع بين وجهات متعددة في رحلة واحدة.ونظراً لأن «مهرجان منتصف الخريف» حل في 25 سبتمبر، أي مباشرة قبل عطلة العيد الوطني الصيني الممتدة من 1 إلى 7 أكتوبر/ تشرين الأول، فإن الموظفين الذين حصلوا على ثلاثة أيام من إجازاتهم السنوية كان بإمكانهم الاستمتاع بعطلة تصل مدتها إلى 13 يوماً.وتشير مجموعة «Trip.com» إلى أن حركة السفر إلى الخارج بدأت تتصاعد منذ 25 سبتمبر، حيث تجاوز متوسط مدة الرحلة تسعة أيام. وقد خُصصت أكثر من نصف حجوزات الرحلات الجوية الخارجية لمواعيد مغادرة تسبق الأول من أكتوبر، وذلك في مسعى من المسافرين للاستفادة القصوى من هذه العطلة الممتدة.وقد انعكست هذه الفترة الزمنية الأطول مباشرةً على مدة الإقامة؛ إذ قفزت حجوزات الفنادق الخارجية للإقامات التي تبلغ سبع ليالٍ أو أكثر بنسبة 123% على أساس سنوي، بينما ارتفعت حجوزات الرحلات التي تشمل وجهات متعددة بنسبة 84%.ويتجلى هذا التحول بوضوح خاص في الرحلات طويلة المدى؛ حيث من المتوقع أن تسجل حجوزات هذه الرحلات نمواً بنسبة مئوية مزدوجة (10% أو أكثر) مقارنة بالعام السابق، مع تركز الطلب حول المدن الرئيسية التي تُعد بوابات سفر في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.التنقل بين المدن أظهرت بيانات صادرة عن وزارة النقل أن عدد رحلات الركاب عبر المناطق في أنحاء الصين تجاوز 300 مليون رحلة في كل من الأيام الثلاثة الأولى من عطلة العيد الوطني التي تستمر سبعة أيام وتعد من أبرز مواسم السفر والاستهلاك في الصين.وذكرت المجموعة الوطنية الصينية المحدودة للسكك الحديدية أن شبكة السكك الحديدية في البلاد تعاملت مع أكثر من 25.2 مليون رحلة ركاب في يوم أول أكتوبر، مسجلة رقما قياسيا جديدا لعدد الرحلات في يوم واحد.وأظهرت بيانات من منصة السفر الصينية عبر الإنترنت «تشيوينار» أن ما يقرب من 30% من المسافرين حجزوا فنادق في مدينتين على الأقل، في حين ارتفعت حجوزات الإقامة في أربع مدن أو أكثر بنسبة 53% على أساس سنوي.في ظل ازدهار السياحة، تحافظ شبكة النقل التي تنقل ملايين المسافرين على حركة البضائع وتربط الشركات والأسواق وتحافظ على النشاط الاقتصادي في جميع أنحاء البلاد.عطلات أطول ووجهات أبعدأفادت وكالات السفر بوجود طلب قوي على برامج الرحلات طويلة المدى التي تشمل أوروبا وآسيا الوسطى وأستراليا ونيوزيلندا.وذكرت رويترز أن باقات السفر طويلة المدى المتجهة إلى إسبانيا والبرتغال ومنطقة البلقان وشمال أوروبا واليونان ونيوزيلندا قد بيعت بالكامل بحلول منتصف شهر أغسطس، في حين امتلأت أيضاً الرحلات المتجهة إلى آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز وأستراليا قبل الموعد المحدد.كما استغل المسافرون الأيام الإضافية لزيارة أكثر من وجهة؛ فقد سجلت مجموعة «Trip.com» زيادة بنسبة 84% على أساس سنوي في حجوزات الرحلات متعددة الوجهات، وشملت أبرز المسارات المدمجة: سنغافورة - بالي، وهونغ كونغ - سيدني، وأمستردام - ميلانو.سيؤول تتصدر الطلباحتلت سيؤول المرتبة الأولى كوجهة للعطلات الخارجية، حيث ارتفعت حجوزات الطيران الدولي إليها بنسبة 91% على أساس سنوي. كما امتد الطلب إلى ما وراء العاصمة الكورية الجنوبية؛ إذ سجلت حجوزات الطيران إلى مدن بوسان وتشيونغجو ودايغو نمواً بنسبة مئوية ثلاثية الأرقام (100% أو أكثر).وتظل اليابان وجهة إقليمية رئيسية أخرى، في حين تخلق جداول العطلات المتزامنة فرصاً إضافية للسفر في جميع أنحاء شرق آسيا.كما تزامن «مهرجان منتصف الخريف» لهذا العام مع عطلة «تشوسوك» في كوريا الجنوبية، مما ساهم في تحفيز حركة السفر المتبادلة بين دول المنطقة.طفرة.. ماذا عن الإنفاق؟ إن زيادة عدد الرحلات لا تعني بالضرورة زيادة متناسبة في حجم الإنفاق.وتُعد عطلة «الأسبوع الذهبي» 2026 معياراً مفيداً للمقارنة؛ فخلال تلك العطلة التي استمرت ثمانية أيام، سجلت الصين 888 مليون رحلة سياحية داخلية، وبلغ الإنفاق السياحي 809 مليارات يوان صيني (أي ما يعادل 113.52 مليار دولار)، وذلك وفقاً لبيانات وزارة الثقافة والسياحة الصينية التي نقلتها وكالة «رويترز».غير أن تحليلاً أجرته «رويترز» لبيانات حكومية أظهر أن متوسط الإنفاق في الرحلة الواحدة خلال عطلة الأسبوع الذهبي للعام الماضي قد انخفض إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات ليصل إلى 911.04 يوان صيني، مما يبرز الفجوة بين كثافة حركة السفر ومستويات إنفاق المستهلكين.**media[8160817]**ولا يزال المستهلكون الصينيون يبدون طلباً قوياً على السفر، لكنهم يحرصون على ترشيد نفقاتهم؛ إذ تحظى خيارات الإقامة متوسطة التكلفة بإقبال أكبر مقارنة بالخيارات الفاخرة، كما يولي المسافرون اهتماماً متزايداً بمدى ملاءمة السعر للقيمة المقدمة.وينعكس هذا التحول أيضاً على شركات الطيران؛ فوفقاً لصحيفة «ذا ستار»، توقعت الخطوط الجوية الماليزية نقل أكثر من 52 ألف مسافر عبر شبكة رحلاتها في الصين خلال فترة «عطلة الأسبوع الذهبي» الممتدة من 26 سبتمبر إلى 11 أكتوبر، بزيادة قدرها 21% على أساس سنوي.الوجهات السياحيةتخلق فترات الإقامة الأطول، وبرامج الرحلات التي تشمل وجهات متعددة، والطلب المتزايد على الرحلات الطويلة، فرصاً أكبر لشركات الطيران والفنادق والوجهات السياحية لتحقيق قيمة مضافة طوال مراحل الرحلة.وبالنسبة للوجهات السياحية، يكمن التحدي في تحويل فترات السفر الأطول إلى إقامات ممتدة وتجارب ذات مغزى، مع تقديم قيمة كافية لجذب المسافرين الذين يولون اهتماماً متزايداً بالتكلفة.وهكذا، أصبحت عطلة الأسبوع الذهبي في الصين مؤشراً مهماً للمرحلة القادمة من السفر إلى الخارج؛ فهي لا تعني مجرد زيادة في أعداد المسافرين الصينيين إلى الخارج، بل تشير إلى رحلات أطول وأكثر تعقيداً وتتسم بحرص أكبر على القيمة مقابل التكلفة. حشود «الأسبوع الذهبي» في الصين تصل إلى المدن والمقاطعات الصغيرةيتزايد إقبال المسافرين الصينيين على زيارة وجهات متعددة خلال عطلة «اليوم الوطني» التي تستمر أسبوعاً، مما يعزز حركة السفر الجوي في منتصف العطلة ويجذب المزيد من الزوار إلى المدن والمقاطعات الصغيرة.ووفقاً لمنصة السفر الإلكترونية «تونغتشينغ ترافيل»، حجز أكثر من 20% من المسافرين جواً رحلات إلى وجهتين أو أكثر خلال العطلة الممتدة من 1 إلى 7 أكتوبر؛ كما ارتفع الطلب على الرحلات الجوية في منتصف العطلة بنسبة 35% مقارنة بالعام السابق.الوجهات الأصغر وكانت الوجهات الأصغر حجماً من بين أكبر المستفيدين من الطفرة في السفر خلال العطلة؛ إذ أظهرت بيانات منصة السفر «Qunar» أن الوجهات العشر الأكثر رواجاً وجذباً للزوار كانت جميعها تقع في مناطق على مستوى المقاطعات (المراكز الإدارية المحلية الأصغر).في مقاطعة «تشيليان» الواقعة شمال غرب مقاطعة تشينغهاي - والتي يبلغ عدد سكانها حوالي 50 ألف نسمة - وصل أكثر من 100 ألف سائح في 3 أكتوبر/تشرين الأول، مما أدى إلى امتلاء الفنادق المحلية ودفع السلطات لإيواء ما يقرب من 500 زائر تقطعت بهم السبل في مهاجع مدرسية، وذلك مع انخفاض درجات الحرارة إلى 4 درجات مئوية تحت الصفر وتساقط الثلوج على قمم الجبال المجاورة.وذكرت السلطات المحلية أن إدارة الثقافة والسياحة في المقاطعة تلقت أكثر من 400 نداء استغاثة خلال سبع ساعات. كما أظهرت منشورات على تطبيق «Xiaohongshu» (المعروف أيضاً باسم «RedNote») سياحاً يبحثون عن غرف بعد امتلاء الفنادق في أنحاء المقاطعة.**media[8160816]**وصرح أحد المسافرين لوسيلة الإعلام المحلية «Jimu News» بأنه قضى فترة ما بعد الظهر والمساء في البحث عبر منصات الحجز الرئيسية بعد وصوله إلى «تشيليان» قادماً من مدينة «شيان»، لكنه لم يتمكن من العثور على غرفة. وبعد رؤية إشعار من سلطات السياحة المحلية، طلب المساعدة ووُفِّرت له غرفة في مهجع مدرسي يتقاسمه مع أربعة أشخاص، مع توفير أغطية أسرّة جديدة.كما واجهت «مدينة فنون الدفاع عن النفس في جبل وانسوي» في مقاطعة «خنان» بوسط البلاد تحديات بسبب الحشود الكبيرة؛ حيث اضطرت مراراً إلى تحديد سقف لأعداد الزوار وتعليق بيع التذاكر في نفس اليوم، وذلك بعد أن ارتفع الإقبال عليها بمقدار 22 ضعفاً مقارنة بالعام السابق.واتجه العديد من المسافرين أيضاً إلى وجهات أبعد وقضوا فترات أطول في رحلاتهم. ووفقاً لشركة «Tongcheng Travel»، زار المسافرون الذين شملت رحلاتهم مدناً متعددة عدداً من المدن يزيد في المتوسط بمقدار 1.2 مدينة عما كان عليه الحال في العام السابق، وكانت مدن «تشنغدو» و«سوتشو» و«ووهان» من بين أكثر مراكز التنقل ازدحاماً.وقام أكثر من 70% من المسافرين الذين زاروا مدناً متعددة بحجز زيارات لمناطق جذب طبيعية وثقافية على حد سواء، مما يشير إلى أن الكثيرين كانوا يجمعون بين أنواع مختلفة من الوجهات ضمن برنامج رحلة واحد. شهدت منصة «تونغتشينغ» ارتفاعاً تجاوز 60% - مقارنة بالعام السابق - في الإقبال على الرحلات الجماعية التي تتراوح مدتها بين 6 و10 أيام والجولات المصممة خصيصاً لوجهات تشمل شينجيانغ وسيتشوان ويوننان وقويتشو؛ وقد شكّل الأزواج والعائلات أكثر من نصف هذه الحجوزات.