عضلات من نسج الخيال – د. رنا بنت عبدالله  الغامدي

بعد أكثر من عشرين عامًا، عادت إلى السطح على منصات التواصل الاجتماعي دراسة قديمة لباحثين من كليفلاند، تتحدث عن تجربة تشير إلى إمكانية زيادة قوة بعض العضلات بمجرد تمرينها؟

ومن باب الطرافة شاركت الخبر مع الرفاق، فأعجبتهم الفكرة أكثر مما ينبغي، وجاء الاقتراح سريعًا: (خلاص.. نلغي اشتراك النادي ونتخيل العضلات). لا أنفي أن هذه الفكرة مغرية؛ تخيلوا معي: خمس عشرة دقيقة من التمرين الخيالي وأنت جالس أو متمدد أمام التلفاز، لا أجهزة، ولا أثقال، ولا مشوار إلى النادي، وربما مع احتساء فنجان قهوة، والعضلات تنقبض وتنبسط بقوة الخيال وحده؟

كل هذه التخيلات الجميلة أفسدتها عليَّ مهنتي في البحث العلمي؛ لأن الفطرة البحثية تمنعني من استقبال هذه الأخبار كأنها حقائق لا تحتمل الشك. والميثاق غير المكتوب بيني وبين القارئ يحتم عليَّ أن نتشارك العلم الحقيقي، لا العلم الزائف (Pseudoscience).

هذه الدراسة نُشرت في مجلة Neuropsychologia عام 2004 بعنوان From mental power to muscle power gaining strength by using the mind. طلب الباحثون من إحدى المجموعات أن تتخيل انقباض عضلة الإصبع الصغير بأقصى قوة، ومن مجموعة أخرى أن تفعل الشيء نفسه مع عضلات ثني المرفق، لمدة 15 دقيقة يوميًا، خمسة أيام أسبوعيًا، على مدى 12 أسبوعًا. وكانت هناك مجموعات للمقارنة، بينها مشاركون مارسوا تدريبًا عضليًّا حقيقيًّا.

والنتائج كانت بالفعل مثيرة للاهتمام: ارتفعت قوة العضلات المسؤولة عن إبعاد الإصبع الصغير لدى مجموعة التدريب الذهني بنحو 35 %، وتحسنت قوة ثني المرفق بنحو 13.5 %، بينما حقق التدريب العضلي الفعلي للإصبع زيادة بلغت نحو 53 %. ويرجح الباحثون أن التدريب الذهني أحدث تكيفات عصبية عززت الإشارات الصادرة من المناطق الحركية في الدماغ والمسؤولة عن تنشيط العضلات إراديًّا.

وعلى مدى السنين تلت هذه الدراسة دراسات ومراجعات وتحليلات متعددة، وجدت أن التخيل الحركي يمكن بالفعل أن يحسن القوة العضلية مقارنة بعدم التدريب، وإن ظل التدريب البدني الحقيقي أكثر فاعلية طبعًا. بل إن مراجعة حديثة نسبيًا جمعت نتائج 25 دراسة وجدت أثرًا إيجابيًّا للتدريب بالتخيل، وكان التأثير أوضح في بعض العضلات الصغيرة، ومنها عضلات الأصابع.

هذا النوع من «البروفات الذهنية» نحن نمارسه في كثير من المواقف اليومية في حياتنا. فالرياضي يتخيل الحركة قبل تنفيذها، والمتحدث يستطيع أن يعيد العرض التقديمي في ذهنه ويلقي كلمته أمام جمهور وهمي في خياله قبل أن يصعد إلى المنصة أمام الجمهور الحقيقي، والطالب يتصور خطوات الإجابة قبل الحل. لكن هناك فرقًا جوهريًّا بين تخيل النتيجة وتخيل الطريق. فالتخيل قد يهيئنا للعمل، لكنه بالتأكيد لا يقوم بالعمل نيابة عنا.

وفي ثقافتنا الإيمانية معنى أعمق فنحن ندعو الله بما نرجوه، لكن حسن الظن بالله ليس بديلًا عن العمل، والدعاء لا يعفينا من الأخذ بالأسباب والعمل باجتهاد حتى نصل إلى مرادنا.

أخيرًا إذا كان لديك هدف تخيله بوضوح، وتدرّب عليه في ذهنك، واسأل الله أن ييسره لك، ثم انهض واسلك الطريق إليه.

أما الرفاق الذين تحمسوا لإلغاء اشتراك النادي، فاتركوا الأعذار، وهيا إلى التمرين!

بعد أكثر من عشرين عامًا، عادت إلى السطح على منصات التواصل الاجتماعي دراسة قديمة لباحثين من كليفلاند، تتحدث عن تجربة تشير إلى إمكانية زيادة قوة بعض العضلات بمجرد تمرينها؟

ومن باب الطرافة شاركت الخبر مع الرفاق، فأعجبتهم الفكرة أكثر مما ينبغي، وجاء الاقتراح سريعًا: (خلاص.. نلغي اشتراك النادي ونتخيل العضلات). لا أنفي أن هذه الفكرة مغرية؛ تخيلوا معي: خمس عشرة دقيقة من التمرين الخيالي وأنت جالس أو متمدد أمام التلفاز، لا أجهزة، ولا أثقال، ولا مشوار إلى النادي، وربما مع احتساء فنجان قهوة، والعضلات تنقبض وتنبسط بقوة الخيال وحده؟

كل هذه التخيلات الجميلة أفسدتها عليَّ مهنتي في البحث العلمي؛ لأن الفطرة البحثية تمنعني من استقبال هذه الأخبار كأنها حقائق لا تحتمل الشك. والميثاق غير المكتوب بيني وبين القارئ يحتم عليَّ أن نتشارك العلم الحقيقي، لا العلم الزائف (Pseudoscience).

هذه الدراسة نُشرت في مجلة Neuropsychologia عام 2004 بعنوان From mental power to muscle power gaining strength by using the mind. طلب الباحثون من إحدى المجموعات أن تتخيل انقباض عضلة الإصبع الصغير بأقصى قوة، ومن مجموعة أخرى أن تفعل الشيء نفسه مع عضلات ثني المرفق، لمدة 15 دقيقة يوميًا، خمسة أيام أسبوعيًا، على مدى 12 أسبوعًا. وكانت هناك مجموعات للمقارنة، بينها مشاركون مارسوا تدريبًا عضليًّا حقيقيًّا.

والنتائج كانت بالفعل مثيرة للاهتمام: ارتفعت قوة العضلات المسؤولة عن إبعاد الإصبع الصغير لدى مجموعة التدريب الذهني بنحو 35 %، وتحسنت قوة ثني المرفق بنحو 13.5 %، بينما حقق التدريب العضلي الفعلي للإصبع زيادة بلغت نحو 53 %. ويرجح الباحثون أن التدريب الذهني أحدث تكيفات عصبية عززت الإشارات الصادرة من المناطق الحركية في الدماغ والمسؤولة عن تنشيط العضلات إراديًّا.

وعلى مدى السنين تلت هذه الدراسة دراسات ومراجعات وتحليلات متعددة، وجدت أن التخيل الحركي يمكن بالفعل أن يحسن القوة العضلية مقارنة بعدم التدريب، وإن ظل التدريب البدني الحقيقي أكثر فاعلية طبعًا. بل إن مراجعة حديثة نسبيًا جمعت نتائج 25 دراسة وجدت أثرًا إيجابيًّا للتدريب بالتخيل، وكان التأثير أوضح في بعض العضلات الصغيرة، ومنها عضلات الأصابع.

هذا النوع من «البروفات الذهنية» نحن نمارسه في كثير من المواقف اليومية في حياتنا. فالرياضي يتخيل الحركة قبل تنفيذها، والمتحدث يستطيع أن يعيد العرض التقديمي في ذهنه ويلقي كلمته أمام جمهور وهمي في خياله قبل أن يصعد إلى المنصة أمام الجمهور الحقيقي، والطالب يتصور خطوات الإجابة قبل الحل. لكن هناك فرقًا جوهريًّا بين تخيل النتيجة وتخيل الطريق. فالتخيل قد يهيئنا للعمل، لكنه بالتأكيد لا يقوم بالعمل نيابة عنا.

وفي ثقافتنا الإيمانية معنى أعمق فنحن ندعو الله بما نرجوه، لكن حسن الظن بالله ليس بديلًا عن العمل، والدعاء لا يعفينا من الأخذ بالأسباب والعمل باجتهاد حتى نصل إلى مرادنا.

أخيرًا إذا كان لديك هدف تخيله بوضوح، وتدرّب عليه في ذهنك، واسأل الله أن ييسره لك، ثم انهض واسلك الطريق إليه.

أما الرفاق الذين تحمسوا لإلغاء اشتراك النادي، فاتركوا الأعذار، وهيا إلى التمرين!

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.