عزنا بطبعنا – مرفت  بخاري

حين يأتي الوطن في حديثنا، لا تحضر الأرض وحدها، ولا تتقدم الحدود والجغرافيا على المشهد، فالوطن قبل كل ذلك إنسان، وذاكرة، وقيمة، وطبع يسكن أهله حتى يصبح جزءًا من ملامحهم التي يعرفون بها.

ولعل شعار هذا العام «عزنا بطبعنا» يفتح لنا بابًا واسعًا للتأمل في معنى الطبع السعودي، ذلك الطبع الذي لم يتشكل في يوم وليلة، ولم يكن مجرد عادات اجتماعية توارثتها البيوت، وإنما نشأ في بيئة كان الدين فيها حاضرًا في تفاصيل الحياة، يهذب السلوك، ويضبط العلاقة بين الإنسان وأسرته وجاره وضيفه ومجتمعه.

فكثير من القيم التي نعتز بها اليوم بوصفها من طباعنا الأصيلة، لها جذور عميقة في تعاليم الإسلام. فالكرم ليس مجرد عادة، وإكرام الضيف ليس مظهرًا اجتماعيًا فحسب، وبر الوالدين ليس تقليدًا عائليًا، وصلة الرحم ليست مناسبة موسمية، وحفظ حق الجار، والوفاء بالعهد، وإغاثة المحتاج، واحترام الكبير، والحياء، والشهامة، كلها معانٍ ارتبطت في وجدان المجتمع بالدين قبل أن تصبح مع الزمن جزءًا من موروثه الاجتماعي.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف تتداخل القيم الدينية مع العادات الاجتماعية، فالدين يهذب الطبع، والطبع يحفظ القيمة، والقيمة تتحول مع مرور الزمن إلى سلوك مألوف تتعلمه الأجيال من آبائها وأمهاتها، حتى يصبح الإنسان في كثير من الأحيان يمارس الخير بطبيعته قبل أن يستحضر اسمه أو مصدره.

وليس معنى ذلك أن كل عادة من عاداتنا هي بالضرورة من الدين، فبين العادة والعبادة فرق، وبين الموروث الاجتماعي والحكم الشرعي مساحة ينبغي أن ندركها بوعي. لكن ما يميز كثيرًا من عاداتنا الأصيلة أنها نشأت في مجتمع تشرب هذه القيم، فامتزجت في وجدانه حتى أصبح بعض ما يتعلمه الطفل في البيت امتدادًا لما تعلمه المجتمع من دينه وأخلاقه.

وأذكر هنا والدتي، حفظها الله، وهي في سن صغيرة حين انتقلت إلى بيئة تختلف في بعض ثقافتها وعاداتها عن البيئة التي نشأت فيها. كان الاختلاف حاضرًا في تفاصيل كثيرة، في الطباع، وفي بعض العادات، وحتى في الطعام والشراب، لكنها استطاعت أن تعيش هذا الاختلاف دون أن تفقد أصالتها، وأن تحفظ ما تربت عليه من قيم، وفي الوقت نفسه تتعامل مع الآخرين بمحبة واحترام.

وهنا تكمن روعة الطبع الأصيل، فهو لا يجعل الإنسان منغلقًا على ذاته، ولا يدفعه إلى رفض المختلف، بل يمنحه ثباتًا يعرف معه من هو، وما الذي يحمله معه أينما ذهب.

ولذلك فإن الحديث عن «عزنا بطبعنا» ليس حديثًا عن الماضي وحده، ولا دعوة إلى الوقوف عند شكل قديم من أشكال الحياة، وإنما هو دعوة إلى أن نحمل أجمل ما في ماضينا إلى حاضرنا ومستقبلنا.

فالسعودية التي تتقدم اليوم في التعليم والاقتصاد والثقافة والتقنية وتمكين الإنسان، لا تحتاج أن تختار بين الحداثة والأصالة. فالحداثة الحقيقية لا تعني أن نتخلى عن قيمنا، وإنما أن نمنحها مساحات جديدة لتظهر في عالم جديد.

فالكرم يمكن أن يكون في المبادرة، والوفاء في العمل، والشهامة في المسؤولية، واحترام الكبير في رعاية كبار السن، وصلة الرحم في زمن تباعدت فيه المسافات، وإغاثة المحتاج في صور حديثة من العمل التطوعي والعطاء المجتمعي.

وهكذا يصبح الطبع السعودي قيمة متجددة، لا ذكرى محفوظة في الصور القديمة.

لقد تغيرت البيوت، وتغيرت وسائل التواصل، وتغيرت تفاصيل الحياة، لكن الإنسان الذي يعرف قيمة والديه، ويحفظ حق جاره، ويكرم ضيفه، ويقف مع محتاجه، ويعتز بأسرته ووطنه، لا يزال يحمل ذلك الخيط الجميل الذي وصل بين الأجيال.

إن الوطن لا يبني هويته بالمباني وحدها، ولا بالمشروعات وحدها، وإنما يبنيها أيضًا بالإنسان الذي يسير في هذه الأرض وهو يحمل في داخله أخلاقها وقيمها.

ولهذا فإن «عزنا بطبعنا» ليست عبارة نرددها في مناسبة وطنية، بل معنى يمكن أن نراه في البيت، وفي الشارع، وفي مجلس الأسرة، وفي تعاملنا مع الكبير والصغير، وفي طريقة استقبال الضيف، وفي وقوفنا مع بعضنا بعضًا.

نحن لا نعتز بطباعنا لأنها قديمة، بل لأنها أصيلة. ولا نحافظ عليها لأنها موروث فحسب، بل لأنها قيم صنعت إنسانًا يعرف كيف يكرم، وكيف يفي، وكيف يحترم، وكيف يعطي.

ومن أجمل ما يمكن أن نهديه لوطننا في يومه الوطني، أن نحتفظ بهذه القيم ونحن نمضي إلى الأمام، وأن نعلم أبناءنا أن التطور لا يعني أن ننسى من كنا، وأن الانفتاح لا يعني أن نفقد هويتنا، وأن المستقبل لا يصبح أجمل حين نتخلى عن جذورنا، بل حين نحملها معنا بثقة.

عزنا بطبعنا، لأن الطبع الأصيل حين تسنده القيم يصبح هوية، وحين تحفظه الأجيال يصبح إرثًا، وحين نحمله معنا إلى المستقبل يصبح وطنًا يسكن فينا، قبل أن نسكن فيه.

فهنيئًا لنا بوطنٍ يرسم طريقه على قواعد الدين والأصالة، ويجعل من كلمة الحق مبدأً، ومن القيم أساسًا، ومن الإنسان غايته.

وكم نحن محظوظون بهذا الوطن المعطاء، الذي منح أبناءه الأمن والانتماء، وفتح لهم أبواب المستقبل، ومضى بهم بثقة نحو آفاق جديدة، دون أن يتخلى عن جذوره أو يتنكر لأصالته.

وفي اليوم الوطني السعودي، لا نحتفي بوطنٍ نعيش فوق أرضه فحسب، بل نحتفي بانتماءٍ يسكن فينا، ونعتز بأننا أبناءٌ بررة لهذه الأرض المقدسة، نحمل محبتها في قلوبنا، ونرد جميلها بالعمل والعطاء، ونحفظ إرثها وقيمها، ونمضي بمسيرتها إلى المستقبل ونحن نعرف أن أجمل ما نحمله معنا هو طبعٌ أصيل، وقيمةٌ راسخة، وولاءٌ لا يتغير.

فهنيئًا لنا وطنًا كان الدين فيه أساسًا، والأصالة فيه هوية، وكلمة الحق فيه مبدأ، والعطاء فيه طبعًا.

عزنا بطبعنا، وعزنا بوطننا، وعزنا بأننا أبناء هذه الأرض المباركة.

حين يأتي الوطن في حديثنا، لا تحضر الأرض وحدها، ولا تتقدم الحدود والجغرافيا على المشهد، فالوطن قبل كل ذلك إنسان، وذاكرة، وقيمة، وطبع يسكن أهله حتى يصبح جزءًا من ملامحهم التي يعرفون بها.

ولعل شعار هذا العام «عزنا بطبعنا» يفتح لنا بابًا واسعًا للتأمل في معنى الطبع السعودي، ذلك الطبع الذي لم يتشكل في يوم وليلة، ولم يكن مجرد عادات اجتماعية توارثتها البيوت، وإنما نشأ في بيئة كان الدين فيها حاضرًا في تفاصيل الحياة، يهذب السلوك، ويضبط العلاقة بين الإنسان وأسرته وجاره وضيفه ومجتمعه.

فكثير من القيم التي نعتز بها اليوم بوصفها من طباعنا الأصيلة، لها جذور عميقة في تعاليم الإسلام. فالكرم ليس مجرد عادة، وإكرام الضيف ليس مظهرًا اجتماعيًا فحسب، وبر الوالدين ليس تقليدًا عائليًا، وصلة الرحم ليست مناسبة موسمية، وحفظ حق الجار، والوفاء بالعهد، وإغاثة المحتاج، واحترام الكبير، والحياء، والشهامة، كلها معانٍ ارتبطت في وجدان المجتمع بالدين قبل أن تصبح مع الزمن جزءًا من موروثه الاجتماعي.

ومن هنا يمكن أن نفهم كيف تتداخل القيم الدينية مع العادات الاجتماعية، فالدين يهذب الطبع، والطبع يحفظ القيمة، والقيمة تتحول مع مرور الزمن إلى سلوك مألوف تتعلمه الأجيال من آبائها وأمهاتها، حتى يصبح الإنسان في كثير من الأحيان يمارس الخير بطبيعته قبل أن يستحضر اسمه أو مصدره.