يعتمد القاص عثمان سعيد الغامدي، في أعماله، على ذاكرة تختزن فانتازيا من الأحداث والمواقف والمشاهدات؛ ما يمكّنه من كتابة أكثر من رواية، ولم يقصر همّه واهتمامه على القراءة، بل أنشأ علاقات إنسانية من خلال مجتمع التعليم في جدة، وعشق اللون فرسم اللوحة، وافتتن بالصورة فحمل الكاميرا، وظل متعدد المشارب، وانعكست ذائقته الجمالية على ما يكتب ويرسم ويلتقط بعينه قبل عدسته، ولعلّه استشعر مسؤولية الالتزام الكتابي أخيراً، فأصدر، عقب مجموعتين قصصيتين، رواية «دم أسود»، وهنا جانب من حديث طويل، بدأ ولم ينتهِ بعد.. فإلى نصّ الحوار..• نبدأ من الطفولة، حدّثنا عنها؟•• ولدت إثر أخواتي البنات، وكان ذلك حدثاً كبيراً أسعد والدي، فاحتفى بمقدمي، إلّا أن المرض رافق دربي منذ السنة الثانية من عمري، إذ تكونت الأحجار في المثانة، وعجزتُ عن الاستجابة لنداء الفطرة البشرية؛ إلا قطرات قليلة، ولم يكن هناك مستشفى ولا طبيب، وحضر من قرية (المكارمة في بلجرشي) طبيب شعبي يحمل شهادة خبرته المتمثلة في خريطة من القماش يحملها على ظهره، وبها 40 حجراً استخرجها من أناس قبلي، وشق بالمشرط، واستخرج الحجر، رحمه الله وغفر له.• في روايتك الأحدث «دم أسود» تاريخ وجغرافيا ووجوه.. هل قصدت ذلك أم أن ذاكرة السرد استدعتهم رغماً عنك؟•• لقد حضرت كل الوجوه في المكان والزمان بعفوية، وتزاحم عليَّ الكثير منها، وكتبت عن الأكثر حضوراً منها.• هل خلدت هذه الرواية في أدراجك عشرين عاماً؟ ولماذا؟•• نعم، نامت رواية «دم أسود» في الأدراج كل تلك الأعوام بفعل النقد القاسي من صديق أكنُّ له التقدير الكامل، إذ طلب مني حذف بعض الأحداث؛ فرفضت؛ لأني تعاطفت جداً مع الأحداث التي أخذتني إلى الاندماج معها في بوتقة واحدة.• من «الحراج» إلى «شدا يحني قامته» والثيمة الإنسانية طاغية الحضور، ما أثر ردود فعلك الإنسانية على انفعالك الكتابي؟•• في كل أعمالي التي ذكرت، الحس الإنساني هو الذخيرة لتلك الأعمال، إذ عشتُ وعايشتُ بعضها، واندمجت مع بعضها إلى حد الانصهار والتماهي. ولم يساعدني في الخروج منها إلا نشر روايتي «دم أسود»، إذ تحررتُ من مشاعر عدة، بالعودة لكتابة عمل سردي جديد لا يزال في بدايته الأولى.• ألوان اللوحة تأسرك، وعدسة الكاميرا تجنّح بك بعيداً، كيف ترى تكامل الفنون في عملك؟•• اللوحة والصورة هوايات تقتنص فكرتها قبل فرارها، وتصب في أعمالي السردية لتندمج وتتبلور، وتفتح أفقاً جديداً في شهادتي على العصر الذي مر من أمامي كشريط سينمائي؛ أحياناً يصرخ، وأحياناً يهمس، وأحياناً يمجّد، وأحياناً يسير مع الركب.• ألا يؤثر تعدّد الاهتمامات على الإخلاص للفنّ السردي؟•• السرد هو الأب الروحي، وما سواه هوايات ربما تعزّز ما قصدته في سردي، وربما تكون وجهاً آخر؛ له طعمه، ولونه، وربما تختزل صورة أو لوحة حياةً لم تتمكن الحروف من قولها.• يصفك البعض بالحكّاء الماهر، ألا يستنفد الحكي الكثير من مخزونك الجدير بالكتابة؟•• ربما، لكن الناقد الداخلي لا يترك للحديث في المجالس مجالاً لاستنفاد المخزون، ولا يزال لديَّ الكثير من ذلك المخزون، لعل الزمن يسعفني بكتابته.• ماذا عن العلاقة بالقراءة؟ ومتى كانت الغواية الأولى؟•• في مجال السرد كانت في المرحلة المتوسطة، أتممت قراءة «البؤساء»، و«الشيخ والبحر»، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، وأما في الشعر فقرأت كل ما وقع تحت يدي. ساعدني على ذلك أخي الكبير أحمد -رحمه الله-؛ إذ كان يعمل في وزارة الإعلام، ويحضر لي الكتب والمجلات.• أين نشرت نصك الأول؟•• زاحمت كبار الكتاب، ونشرت على سبع صفحات في مجلة «المنهل» قصة طويلة بعنوان «العود أحمد»، وفي الملاحق الأدبية في سورية، وفي ملحق «عكاظ» و«المدينة الثقافية». وفي برامج ثقافية بالإذاعة والنوادي الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون، وأحياناً أنشر وأكتب لجدران غرفتي.• لمن تدين بالفضل كتابياً ومعرفياً؟•• لـ«عكاظ» وملاحقها الأدبية، وللدكتور يوسف العارف، وملحق الأربعاء في جريدة المدينة، وأيضاً مجلة «المنهل».• بحكم استقرارك المبكّر في المدن، هل يشدّك الحنين إلى القرية؟•• القرية عندي هي من تحافظ على القيم؛ نجوم ليلها تفتح الآفاق، وخرير الماء وصوت العصافير سمفونية خيالي، وبساط ريحي الذي يحلّق بي في فضاءات عشتها وعايشتها وسمعت بها.• ما الجديد الذي تعمل عليه؟•• لو تمكّنت من جمع شتات ما تحتفظ به الأدراج من سرد قصصي (لم ينشر بعد) مع ما يستجد، لربما كان يكفي لإخراج ثلاث مجموعات قصصية ورواية جديدة تُحاكي ما يحدث الآن، وتسافر بي لعالم جديد يرحب بي كلما طرقت أبواب جماله.