عبد القادر الريس فنان إماراتي لامع، وأحد الأسماء الكبيرة ممن يوظفون التراث برؤى معاصرة، من خلال استيعابه اللعبة الفنية من حيث التكوين واللون، وكل ما يحمل ذلك من بعد رمزي وفلسفي يتعلق باستخداماته لمفردات وعناصر التكوين حيث يتجلى ذلك بوضوح من خلال براعته الفنية والتصويرية التي يمكن ملاحظتها في كل أعماله.**media[8150676]**لدينا واحدة من تلك اللوحات الفنية لعبد القادر الريس، رسمها في عام 1989، وهي بعنوان «الماضي والمستقبل» وهذه اللوحة الجميلة تجسد حواراً بين زمنين «الماضي» الذي يتمثل في الباب الخشبي العتيق، والتي تظهر فيه تفاصيل تراثية واضحة مثل المسامير والنقوش، وهناك أيضا الجدار الحجري الذي يحيط بالباب.أما الزمن الآخر فيمثل في المستقبل، وهنا تنفتح اللوحة على مشهد خارجي فسيح عبر الباب، حيث النخيل والصحراء والسماء المفتوحة، وتلك السماء التي توحي بالاستمرارية والأمل.أما الباب في هذه اللوحة المتميزة، فهو ليس مجرد مدخل، بل هو هنا، يجسد عتبة زمنية تعبر من خلالها الروح من ذلك الماضي الماثل في الذاكرة إلى رحابة المستقبل المأمول.تكوينالتكوين في اللوحة مبني، على ما يمكن تسميته التضاد والانفتاح، وهنا تأكيد على فكرة السرد البصري، فاللوحة تتكون من غرفة ذات إطار حجري، وخارج حيث الصحراء، أما الباب المفتوح فيعمل كإطار داخل إطار، فيخلق ما يشبه النافذة أو البوابة التي تفتح على عالم جديد، وهذا التكوين يضع المشاهد في موضع الناظر من الداخل إلى الخارج، سعياً من الفنان إلى تقديم رؤية تنفتح على قراءات عدة وتدعو للتأمل والتحليل. يبدو واضحاً في هذه اللوحة اهتمام الريس بتفاصيل التكوين الفني، فالتوظيف البصري يبدو واضحاً من خلال استخدامه لعنصر الضوء، فالنور القادم من الخارج (المستقبل) يتسلل بقوة عبر الباب المفتوح، ليرسم بقعاً ضوئية على أرضية الغرفة الحجرية المظلمة، وهذا التباين بين العتمة الداخلية والنور الخارجي يخلق إحساساً بالانطلاق والأمل، كما يجعل عين المتلقي تنجذب تلقائيا نحو المشهد الخارجي.من جهة ثانية ثمة جدلية الماضي والتراث، التي تظهر من خلال الباب، والأبواب التقليدية تمثل في التراث العربي والإماراتي رمزاً عميقاً للخصوصية، والأمان، والانتقال بين العالم الخارجي والداخلي، ولعل عبد القادر الريس هو من أبرز الأسماء التي اشتغلت على الأبواب التراثية، من خلال إبرازه لمجموعة من الرموز والتفاصيل الدقيقة كالمسامير والنقوش والمطارق، سعياً منه لتعزيز رمزية هذا الباب الذي يرمز للصمود والعطاء، كما يدل على الكرم والضيافة.توثيقيظهر التأثير البيئي المحلي الخليجي عموماً واضحاً في الباب في تفاصيل طرازه التقليدي وفي المشهد الخارجي حيث النخيل والصحراء، ومن خلال هذه التفاصيل يحرص الريس على توثيق التراث الإماراتي بأسلوبه المعاصر الذي عرف به، وهنا يقدم الفنان مزيجا بين الأصالة حيث (الباب) والانفتاح على العالم حيث (الخارج).لونمن جهة ثانية فقد قدم عبد القادر الريس في لوحته تلك رؤية خاصة ومعاصرة للتراث من خلال استخدامه للون الباب، هو هنا، يستخدم الألوان الترابية (البيج، الرملي، البني) وهذه الألوان تهيمن على المشهد الفني، من خلال رمزيتها للماضي، وهي تمنح إحساساً بالدفء والثبات.وهناك الألوان (الأزرق، البني الغامق)، وتظهر في الجدار الداخلي والباب الخشبي، وهذه الألوان تخلق تبايناً قوياً مع الخارج، حيث يمثل الباب جسراً نحو النور.