في العادة تمر خطابات الرؤساء مرور العابرين، لا يكاد يلامس أسماعنا منها شيء حتى ننبذها وراء ظهورنا، نعلق تعليق العجول الذي لا يتأنى، ثم نمضي إلى شواغل العيش وصخب الحياة. لكن ثمة خطابات تأبى إلا أن تفرض كينونتها عليك، تقف بك وقفة تطول، لا لأنها قيلت في مناسبة ذات بهاء، لكن لأنها تكشف عن عقل يعمل الفكر على نحو مغاير، وعن رؤية تحاول أن تشق طريقها في أرض موحلة بالصعاب، وعن إرادة تتلمس سبيلها إلى الولادة من بين ركام واقع ثقيل الوطأة على الصدور.الخطاب الذي ألقاه الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية هو من ذلك النسيج النادر الذي يفرض نفسه فرضًا. ولست هنا بصدد الحديث عن القيادة الاستراتيجية بمعناها العسكري أو التنظيمي، فذلك ميدان لا أحسن الركض في ميادينه، ولا أفقه كثيرًا في دروبه. ولكني بصدد الحديث عن "القيادة الفكرية" -إن جاز التعبير- وعن الرؤية التي طرحها الرئيس لمصر في مرحلتها المقبلة، تلك الرؤية التي تصلح لأن تكون بمثابة وثيقة سياسات متكاملة، تصلح لأن تطرح على مائدة النقاش العام، لا بين صفوة النخبة وحدها، بل بين الناس كافة، في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي والجامعات.وقبل أن أمضي في تحليلي، ألفت النظر إلى أمر أحسبه جوهريًا؛ إنني لا أكتب هذا الكلام من باب التمجيد أو التهليل، فتلك سجية لم تألفها نفسي، ولم أكن قط من أولئك الذين يرون في كلمات المسئولين وحيًا منزلًا لا تجوز مجادلته، ولا يحسن الاقتراب منه بأداة المساءلة والنقد. إنني أكتب من باب التحليل والفهم، متلمسًا ما يختبئ بين السطور، باحثًا عن المعاني الكامنة خلف الكلمات، رابطًا الأشياء بعضها ببعض في سياق واحد هو سياق اللحظة المصرية الراهنة بكل ما فيها من تعقيد وتشابك وتداخل.أولاً: في أهمية الخطاب وسياقهلكي تدرك كنه أهمية هذا الخطاب، ينبغي أن تضعه في سياقه الصحيح الذي انبثق منه. إننا نعيش لحظة إقليمية شديدة الاضطراب والهياج. ثمة من يحاول إعادة ترتيب المنطقة وفق مصالح لا تمت إلينا بصلة، لا تمت إلى مصالحنا بسبب، ولا إلى تاريخنا برحم، ولا إلى ثوابتنا بعروة. هناك مشروع "السلام الاقتصادي" الذي يتحدث عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو مشروع يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها خادعة ماكرة في جوهرها؛ خلاصتها أن تعطى الفلسطينيين مالًا، وتترك إسرائيل تفعل ما تشاء. هذا هو المنطق بعينه، وهذه هي الخلاصة بذاتها. وهذا تحديدًا ما جعل الكثيرين يتساءلون في حيرة ووجوم وأين مصر من كل هذا؟ هل يمكن أن تغرى ببعض المال فترضخ؟ هل يمكن أن تضغط ببعض التهديدات فتدخل في هذا المسار الذي لا يليق؟لقد أجاب الرئيس على هذه التساؤلات إجابة لا تحتمل التأويل ولا تلتبس على ذي عقل. قال بكل وضوح لا يعرف المواربة: "لا سلام دائمًا، ولا استقرار حقيقيًا، ولا تطبيع شعبيًا؛ إلا بسلام عادل، ينهي الاحتلال ويضع حدًا للظلم والعدوان، ويعيد الحقوق إلى أصحابها".ولنتوقف هنا وقفة المتأمل الفاحص. إنه لم يقل "لا تطبيع"، بل قال "لا تطبيع شعبيًا". وهذا تفريق بالغ الأهمية والدقة، يكشف عن عقل يدرك الفرق بين ما توقعه الحكومات من أوراق في غرف مغلقة، وبين ما تقبله الشعوب في وجدانها من واقع. الحكومات قد تبرم اتفاقياتها، وقد تتبادل السفراء، وقد تفتح المكاتب التجارية، ولكن هل يعني هذا أن الشعوب قبلت واقتنعت؟ كلا وألف كلا. السلام الحقيقي، السلام الذي يدوم ويبقى، لا يصنع على طاولات الدبلوماسية وحدها، بل يصنع في وجدان الناس أولًا وقبل كل شيء. وما دام الاحتلال قائمًا، وما دامت الحقوق مهضومة، وما دامت الأرض مغتصبة، فإن الوجدان العربي، وفي القلب منه الوجدان المصري، لن يقبل ولن يرضى ولن يطبع. هذه ليست مجرد كلمات عاطفية ترسل على عواهنها، هذا منطق التاريخ الذي لا يكذب، وهذا درس الأحداث الذي لا يخادع.لقد وضع الرئيس النقاط على الحروف، ليس للخارج وحده، بل للداخل أيضًا. لقد أراد أن يقول للمصريين: اطمئنوا، لم نتنازل عن الثوابت ولن نتنازل. وأراد أن يقول للخارج: لا تراهنوا على أن الضغط الاقتصادي أو الإغراء السياسي يمكن أن يغير موقفنا أو يزحزحه قيد أنملة. هذا هو خطاب القوة لا خطاب الضعف، وهذا هو خطاب الند للند لا خطاب التابع للمتبوع. وهذا بالضبط ما تحتاجه مصر في هذه المرحلة الفارقة أن تتحدث من موقع الندية والكفاءة، لا من موقع التبعية والاستجداء.ثانيًا: الداخل.. المصارحة قبل المجاملةغير أن الأمر الذي استوقفني طويلًا، وأعملت فيه الفكر مليًّا، هو ذلك الجزء المتعلق بالشأن الداخلي. هنا تحديدًا، شعرت أن ثمة شيئًا مختلفًا يحدث في طريقة التفكير. ليس لأن الرئيس قال أشياء جديدة لم يسبقه إليها سابق، ولكن لأنه قالها في توقيت صعب عسير، وفي سياق يختلف تمام الاختلاف عن سياقات سابقة ألفناها.خذ عندك مثلًا دعوته للمسئولين إلى فتح قنوات التواصل المباشر مع المواطنين، والاستماع الجيد لآرائهم، وإمدادهم بالمعلومات الحقيقية، حتى تكون الرؤية موضوعية، ومبنية على بيانات مدققة. هذه دعوة قد تبدو عادية مألوفة لو كنا في بلد آخر غير مصر. لكننا في مصر. في مصر حيث سادت لعقود طويلة ثقافة إخفاء المعلومة وكتمها، وحيث تعود المسئولون أن يتحدثوا إلى الناس من عل، لا من مستوى واحد، وحيث تم التعامل مع المواطن باعتباره قاصرًا لا يحق له أن يسأل، ولا أن يعترض، ولا أن يعرف.الرئيس هنا يقول للمسئولين بلسان عربي مبين؛ انزلوا إلى الناس، تحدثوا إليهم، والأهم من ذلك، استمعوا لهم. اسمعوا شكاواهم، اسمعوا انتقاداتهم، اسمعوا اقتراحاتهم. لا تعيشوا في أبراج عاجية بعيدًا عن الواقع . هذه دعوة لثورة في طريقة إدارة الدولة، ثورة في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. إنها إعلان صريح بأن عصر الوصاية قد ولى وانقضى، وأن المواطن المصري قد أصبح شريكًا في الفعل لا مجرد متلق سلبي.وهذا يقودنا مباشرة إلى النقطة التالية الإعلام. حين دعا الرئيس إلى حوار إعلامي موضوعي يشمل الرأي والرأي الآخر، وحين وجه وزير الإعلام إلى عقد اجتماع سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام، كان بذلك يقرع جرس إنذار وينفخ في بوق تحذير. الإعلام المصري اليوم في حالة لا تسر عدوًا ولا ترضي صديقًا. لقد تحولنا إلى إعلام الصوت الواحد في أفضل الأحوال، أو إعلام الفوضى والشتات في أسوأها. قنوات لا هم لها إلا التهليل والتصفيق، وأخرى لا شغل لها إلا التشكيك في كل شيء وكل شخص دون دليل ولا برهان. وضاع بين هذا وذاك الإعلام الحقيقي، الإعلام الذي ينقل الخبر كما هو بلا تزويق، ويعلق عليه بعقل رشيد، ويحلل الأمور بموضوعية ونزاهة، ويترك للمواطن أن يقرر بنفسه.فهل هذه الدعوة قابلة للتحقق على أرض الواقع؟ لا أعرف. ولكن الذي أعرفه أن الرئيس فتح الباب. وفتح الباب هو الخطوة الأولى والأهم. والمطلوب الآن من الإعلاميين أنفسهم أن يثبتوا أنهم أهل لهذه الثقة، قادرون على حمل هذه الأمانة. المطلوب أن نرى صحفًا تنقد بموضوعية، وشاشات تحلل بعمق، وبرامج تستضيف الرأي المخالف وتحاوره بدلًا من أن تصادر عليه أو تخونه في وطنيته. وإن لم نفعل ذلك، فسنكون قد ضيعنا فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار لمهنة كادت تندثر وتذوي.ثالثًا: السياسة.. إعادة بناء الإنسان قبل الحجروعندما نصل إلى حديث الرئيس عن تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء م