الاجتماع الذي دعا إليه وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان لمناقشة أزمة الصحافة ووسائل الإعلام المصرية أثار فى القلب شجوناً وفى العقل أسئلة.
رغم كثرة ما كتبت فى هذا المضمار لا يزال الحرف يصر على النطق، ولا تزال الحرفة تحضنى على الاشتباك والصدع بالحق.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن، بلا مواربة ولا مجاملة، ليس هل تتراجع الصحافة المصرية؟ فهذا أصبح واقعاً لا يحتاج إلى برهان، وإنما السؤال الأصعب والأشد إلحاحاً: هل بإمكان الصحافة المصرية إعادة اختراع نفسها قبل أن يتحول تراجعها إلى موت بطيء؟
يا قلب لا تحزن، فهذا واقعنا الآن، انتقلنا من رائحة المطابع إلى رنات الرسائل الإلكترونية.
لا يمكنني القول إن أزمة الصحافة الورقية في مصر مجرد أزمة توزيع أو ارتفاع في أسعار الورق والطباعة، ولا يمكن اختزالها في انتقال القارئ من الجريدة للهاتف المحمول؛ إننا أمام أزمة أكثر عمقاً تمس نموذجاً صحفياً كاملاً كان طوال عقود إحدى أهم أدوات تشكيل الوعي العام وصناعة النخب وصياغة النقاش السياسي والثقافي، فالصحيفة المصرية التي كانت تنتظرها البيوت صباحاً، ويبدأ بها المثقف يومه، ويبحث فيها السياسي عن اتجاهات الرأي العام، أصبحت اليوم تكافح من أجل البقاء في سوق يتغير بسرعة، بينما يتراجع جمهورها وتنكمش مواردها وتضعف قدرتها على المنافسة عربياً ودولياً.
الأرقام تكشف حجم التحول بوضوح؛ فقد نقل الكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي عن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن الصحف المصرية وزعت عام 2010 نحو 2.8 مليون نسخة يومياً، ثم انخفض الرقم إلى نحو 1.4 مليون نسخة يومياً عام 2018، قبل أن يتراجع إلى حوالي 540 ألف نسخة يومياً عام 2020.
وفي منتدى الإعلام العربي بدبي ، قدر رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين إجمالي توزيع الصحف المصرية بنحو 300 ألف نسخة يومياً فقط!! أي أننا أمام انهيار هائل في سوق التوزيع خلال ما يزيد قليلاً على عقد.
هذا التدهور فى أرقام التوزيع لا يعني بالضرورة أن المصريين فقدوا اهتمامهم بالأخبار. العكس هو الصحيح، المصريون يستهلكون الأخبار بكثافة، لكنهم لم يعودوا يستهلكونها بالطريقة القديمة؛ فالهاتف أصبح غرفة الأخبار الشخصية، ومنصات التواصل أصبحت بديلاً عن الصفحة الأولى، والفيديو القصير ينافس التحقيق الصحفي، بينما يستطيع القارئ أن يعرف الخبر قبل أن تصل الجريدة إلى بائع الصحف.
وهنا تكمن المفارقة أن الجمهور لم يختف، وإنما هاجر لصحافة بديلة.
الصحافة المصرية أخطأت حين تأخرت في فهم هذه الهجرة ومقتضياتها، فقد تعاملت مؤسسات عديدة مع الإنترنت باعتباره ملحقاً بالصحيفة الورقية، وليس باعتباره البيئة الجديدة التي ستعيش فيها الصحافة؛ ولهذا ظلت مواقع كثيرة تنقل محتوى النسخة المطبوعة بدلاً من إنتاج صحافة رقمية لها أدواتها ولغتها وإيقاعها الخاص.
وفي الوقت الذي كانت فيه المؤسسات العالمية تستثمر في البيانات والوسائط المتعددة والبودكاست والاشتراكات الرقمية والذكاء الاصطناعي، ظلت مؤسسات مصرية كثيرة تدور حول السؤال القديم كم نسخة بعنا اليوم؟!
كانت الصحيفة في الماضي تملك على القارئ حواسه، ثم جاء الإنترنت فأصبح القارئ يملك خيارات لا حصر لها، ثم جاءت المنصات الإخبارية والترفيهية لتحاصر القارئ ببدائل لا تنتهي.
واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي ليطرح السؤال الأكثر خطورة هو ماذا يحدث عندما يحصل المستخدم على إجابة كاملة من محرك البحث، دون أن يضطر حتى إلى زيارة الموقع الذي أنتج المعلومة؟
هذه ليست قضية تقنية عابرة، إنها تمس جوهر اقتصاد الصحافة، فالصحفي يبحث ويحقق ويكتب، والمؤسسة تدفع أجوراً وتتحمل تكاليف التشغيل، ثم تأتي المنصة لتعيد ترتيب المحتوى وتلخيصه وتقديمه للمستخدم في لحظة، بينما قد لا يحصل المصدر الأصلي على الزيارة التي كان يعول عليها في الإعلان أو الاشتراك!
ولهذا فإن معركة الصحافة المقبلة ليست فقط مع الذكاء الاصطناعي، وإنما مع اقتصاد المنصات الذي يجعل المؤسسات الصحفية تنتج المحتوى، بينما تتحكم شركات التكنولوجيا في الوصول إلى الجمهور
الصحيفة التقليدية اعتمدت تاريخياً على مصدرين رئيسيين: التوزيع والإعلان، وكلاهما تعرض لضربة مزدوجة؛ تراجع التوزيع بسبب تغير عادات الجمهور، بينما انتقل جزء كبير من الإعلان إلى المنصات الرقمية الكبرى، ويشير معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى أن إيرادات الإعلان تتجه بصورة متزايدة إلى شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية الكبرى مثل Google وFacebook، في حين تتراجع حصة المؤسسات الإخبارية من السوق الإعلاني.
في مصر تبدو المشكلة أكثر قسوة بسبب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج والطباعة والتوزيع. فالصحيفة الورقية منتج صناعي قبل أن تكون منتجاً فكرياً، تحتاج إلى ورق وأحبار وطباعة ونقل وتوزيع وأجور، وكل زيادة في تكلفة هذه العناصر تضغط على مؤسسة تعاني أصلاً من تراجع الإيرادات!
وليس من المصادفة أن تكون الصحافة المسائية التابعة للمؤسسات الصحفية الحكومية الثلاث الكبرى قد توقفت عن إصدار نسخها الورقية عام 2021 واتجهت إلى النسخ الرقمية في محاولة لخفض التكلفة. وفي العام التالي مباشرة بلغت ديون المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة نحو 9 مليارات جنيه وفق ما أورده تحليل متخصص في أزمة الإعلام المصري!
الصحافة لا تبيع ورقاً، وإنما تصنع الكلمة؛ الصادقة الراقية المؤثرة.
إن السؤال يؤلمني حين أسأله؛ حول مكان القاهرة ومكانتها وسط العواصم العربية صحفيا وإعلامياً.
كيف استطاعت مؤسسات عربية حديثة نسبياً أن تبني شبكات دولية ومنصات متعددة اللغات ومراكز تأثير تمتد إلى عواصم العالم، بينما لا تمتلك القاهرة اليوم نفس مكانتها الإخبارية العالمية القديمة التي عكست ثقلها التاريخي والثقافي والسياسي؟
القضية ليست منافسة خليجية أو عربية فحسب؛ إنها قضية قوة ناعمة.. مصر التي كانت تصدر الصحيفة والكتاب والفيلم والأغنية للعالم العربي، ينبغي ألا تكتفي اليوم باستهلاك المحتوى الذي ينتجه الآخرون.
العالم يتغير، ومن يمتلك المنصة العالمية يمتلك جزءاً من الرواية الكوكبية.
علينا أن نتصالح أخيراً مع حقيقة بسيطة، أن الصحافة الورقية لن تعود إلى ما كانت عليه، وهذا ليس بالضرورة خبراً سيئاً، فالورق يمكن أن يبقى منتجاً نخبوياً عميقاً تحليلياً وثائقياً، لكنه لن يكون وحده قلب المؤسسة الإعلامية.
القلب الحقيقي سيكون في مؤسسة متعددة المنصات، تنتج النص والفيديو والصوت والبيانات، وتستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن تسمح له بأن يحل محل العقل الصحفي، وتعرف جمهورها وتبني علاقة مباشرة معه.
المطلوب إذن ليس إنقاذ الصحيفة، مهما كان مسماها، بقدر ما هو إنقاذ الصحافة، جوهرها ومغزاها وحقيقتها.
إن وصف الصحافة المصرية بأنها في غرفة الإنعاش ليس تسليماً بوفاتها، بل اعترافاً بأن حالتها حرجة.
والمريض في غرفة الإنعاش لا يفتقر لمزيد من المراثي، وإنما لتشخيص دقيق وعلاج شجاع.. لقد انتهى زمن المسكنات.