ليست كل الأسماء التي تمر في ذاكرة الرياضة السعودية مجرد أسماء ارتبطت بالملاعب والبطولات والإنجازات؛ فهناك شخصيات رياضية تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، واستوطنت قلوب الجماهير بما قدمته من عطاء وطني، وما جسدته من قيم أخلاقية وإنسانية أصيلة. ويأتي الحارس الدولي السابق وسيد حراس آسيا 1984م عبدالله الدعيع (أبو فواز) في مقدمة تلك الرموز الرياضية التي صنعت تاريخاً مشرفاً، وتركت بصمات لا تمحوها السنوات ولا تطويها صفحات النسيان، كحارس بارع كان يشار إليه بالبنان في ميادين منافسات المنتخب والطائي والهلال على مدى 11 عاماً.
وحين نتحدث عن الخلوق جداً عبدالله الدعيع -شفاه الله- فإننا نستحضر أحد أبرز حراس المرمى في تاريخ الكرة السعودية والآسيوية، وأحد نجوم الجيل الذهبي الذين أسهموا في صناعة المجد الكروي للوطن، عندما توّج المنتخب السعودي بكأس أمم آسيا مرتين عامي 1984م و1988م في إنجازين تاريخيين ظلا محفورين في الذاكرة الرياضية السعودية.
-»الدعيع الكبير» حارس استثنائي
لقد كان (الدعيع الكبير) حارساً استثنائياً جمع بين الشجاعة والثبات والثقة بالنفس، وامتلك شخصية قيادية داخل الملعب، فكان سداً منيعاً أمام هجمات المنافسين، وأسهم بتصدياته الحاسمة في كتابة صفحات مضيئة من تاريخ منتخبنا الوطني.
ومن ينسى تصدياته التاريخية أمام المنتخب الإيراني في بطولة آسيا عام 1984م، أو حضوره البطولي أمام كوريا الجنوبية في نهائي كأس آسيا عام 1988م؟ إنها لحظات لم تكن مجرد انتصارات رياضية عابرة، بل كانت أفراحاً وطنية صنعتها عزيمة الرجال وروح الانتماء.
-أنموذج للاعب المخلص
ولم تكن مسيرته مع نادي الطائي ثم الهلال أقل حضوراً وتأثيراً؛ فقد قدم أنموذجاً للاعب المخلص لشعار ناديه، المعتز بوطنه، والمحافظ على مكانته الرياضية.
غير أن القيمة الحقيقية للرياضي لا تقاس بعدد البطولات التي حققها فحسب، بل بما يتركه من أثر أخلاقي وإنساني في نفوس الآخرين.
وهنا تتجلى شخصية عبدالله الدعيع الذي عرفته الجماهير الرياضية بروحه الطيبة وتواضعه وقيمه الوفائية، فبقي اسمه حاضراً في الوجدان حتى بعد أن ودّع الملاعب عام 1991م؛ لأن الأخلاق الرفيعة تمنح أصحابها مكانة لا تصنعها الألقاب وحدها.
-ظروف صحية ومعاناة متفاقمة
اليوم، ومع الظروف الصحية التي يمر بها هذا الرمز الرياضي الكبير (أبو فواز)، جاءت اللفتة الإنسانية الكريمة من قيادتنا الرشيدة بتوجيه كريم بعلاجه في ألمانيا، لتجسد عمق الرعاية والاهتمام بأبناء هذا الوطن، والوفاء لمن خدموا رايته ورفعوا اسمه في المحافل الدولية.
-رعاية القيادة نهج إنساني أصيل
وإننا لنرفع أسمى آيات الشكر والعرفان لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- على هذه الرعاية الكريمة التي تعكس نهجاً إنسانياً أصيلاً يجعل صحة الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات.
-وفاء غير مستغرب لرموز الرياضة
ومن منظور اجتماعي، فإن الوفاء للرموز الرياضية الوطنية يمثل قيمة حضارية تعكس نضج المجتمع ووعيه بأهمية الاعتراف بالعطاء وتقدير الشخصيات التي أسهمت في صناعة ذاكرته الجماعية.
فالرياضة ليست مجرد منافسة على الألقاب، وإنما مؤسسة اجتماعية تسهم في بناء الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء وصناعة القدوات الملهمة للأجيال.
-حارس حقبة المنجزات الذهبية
وحارسنا الدولي الكبير السابق عبدالله الدعيع بالطبع من الحراس المثاليين والأوفياء الذين يستحقون تصنيفهم من الحراس العمالقة كقدوة في تاريخهم النظيف طيلة سنوات تواجده في ميدان المنافسة؛ فقد كان حارساً شجاعاً بروحه الرياضية القتالية، يحمي مرمى الأخضر في حقبة صناعة المنجزات الذهبية لـ(الصقور الخضر) منذ عام 1984م، وبعد اعتزاله ترك سمعة طيبة وسيرة عطرة مطبوعة في الذاكرة ومحفورة في الوجدان، كسب بها محبة الجميع، وبالتالي استحق هذه اللفتة الكريمة من القيادة الحكيمة.
-رحيل (أم فواز) ترك فراغاً في حياته
لكن الذي لا يعلمه الآخرون أن من أسباب تردي حالة هذا الحارس العملاق الصحية كانت وفاة شريكة حياته (أم فواز) مساء 23 رمضان 1433هـ (2012م) عقب عودتها في تلك الليلة من أداء مناسك العمرة -رحمها الله-. وفي هذا الإطار، كشف الكابتن عبدالله الدعيع -شفاه الله- عن أثر رحيل زوجته قائلاً: «أم فواز كانت -رحمها الله- سندي في كل مرحلة، تقف خلفي في الأفراح والأحزان وتشد من أزري دون أن تنتظر مقابلاً». وتابع: «بعد رحيلها تغيّر كثير في حياتي، فلم يعد للبيت ذلك الدفء الذي كانت تصنعه بحضورها وحنانها، مما أثر كثيراً على وضعي الصحي».
وأضاف أن الذكرى لا تفارقه: «كل زاوية في المنزل وكل مناسبة عائلية توقظ في داخلي جرحاً قديماً، لكني أحتسب ذلك عند الله عز وجل». وقال: «أبنائي وبناتي كانوا لي بلسماً بعد فقدها، وحرصت على أن أكون لهم الأب والأم قدر ما يستطيع إنسان»، وأكد أن الإيمان والصبر هما اللذان يخففان الألم: «المؤمن يحتسب، وأنا أسأل الله أن يجمعني بها في جنات النعيم. كما لا أنسى وفاءها وطيب عشرتها، وأدعو لها في كل صلاة؛ فالدعاء للفقيدة من أعظم ما يقدمه الإنسان لمن أحب».
واختتم أبو فواز حديثه قائلاً: «رحيلها ترك أثراً لا يمحى، لكنني أستمد القوة من رضا الله، ومن محبة الناس، ومن ذكرى امرأة كانت نعم الزوجة والرفيقة، تغمدها الله بواسع رحمته».
-الزلال: مجلسي يزدان
بحضور (أبو فواز)
وفي هذا السياق، يلتقط أكثر الأصدقاء الأوفياء لسيد حراس آسيا، الأستاذ خالد محمد الزلال (أبو عبدالعزيز) لاعب الطائي والهلال سابقاً، خيط الحديث عن صديقه المقرب الكابتن عبدالله الدعيع -شفاه الله- قائلاً:
«علاقتي مع (أبو فواز) كانت منذ سنوات مضت، وكان شبه يومي يشرّف مجلسي بزيارته الدورية، وما إن يدخل حتى يملأ المكان بحيويته وابتسامته. تعودت أن أراه بين قدامى اللاعبين يبادل الجميع الطرائف والضحك، ويجعل كل حاضر يشعر أنه قريب منه. ورغم مكانته كسيد حراس آسيا السابق تجده متواضعاً جماً، لا يتقدم إلا ليجمع القلوب ويصلح ذات البين. روحه الاجتماعية وقيمه الأصيلة تظهر في تفاصيل صغيرة: سؤاله عن الغائب، واهتمامه بالحاضر، واحترامه للصغير قبل الكبير. مجلسي يزدان بحضوره؛ فوجوده يذكرنا بأخوة حقيقية لا تصنعها الشهرة. أسأل الله أن يشفيه من كل مكروه وسقم، ويحفظه لأهله ومحبيه، وأن يعود للوطن وهو يرفل بثوب الصحة والعافية».
-طهور وأجر لمن صنع الفرح لوطنه
ختاماً، نسأل الله العظيم أن يلبس الغالي والخل الوفي (أبو فواز) ثوب الصحة والعافية، وأن يجعل رحلته العلاجية رحلة شفاء، وأن يعود إلى وطنه وأهله سالماً معافى؛ فأمثاله لا يغادرون ذاكرة الوطن؛ لأن من يصنع الفرح لوطنه تبقى محبته راسخة في قلوب أبنائه، وحية في أذهان محبيه.
عبدالله الدعيع في الطائرة إلى ميونخ في رحلة علاجية -شفاه الله-
صوره خاصه ب (لرياض) بعثها عبدالله الدعيع له على كرسيه المتحرك مع طبيبه الالماني البروفيسور: جورج غرادل في عيادته بميونخ
سيد حراس آسيا متوجاً بكأس الأمم في سنغافورة عام 1984م.
(أبوفواز) مع نجله سلطان الذي يرافقه في رحلته العلاجيه .
(الأول من اليمين وقوفاً) مع الهلال الذي حقق معه تسع بطولات عام 1991م.
في بداياته مع منتخب الشباب عام 1982م.
(الأول من اليسار) مع صالح النعيمة وشايع النفيسة -رحمه الله- وعثمان مرزوق في معسكر المنتخب عام 1984م.
لاعب الطائي والهلال سابقاً وصديق الدعيع الوفي خالد الزلال في حديثه مع فهد الدوس.
الزلال: مجلسي يزدان بوجود الدعيع.
في لقطة تذكارية مع كأس آسيا الذي فاز به الهلال عام 2021م، وبجانبه خالد الزلال.
عبدالله بشعار الطائي مع شقيقه محمد الدعيع أسطورة الحراسة السعودية
فرج الطلال -رحمه الله- مدرب الطائي الذي اكتشف موهبة عبدالله الدعيع.
معد ومحرر الصفحة فهد الدوس