عبدالعزيز بن عياف.. الابن البار لجامعة الملك سعود – د. سامي بن عبدالله  الدبيخي

ليست علاقة صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف -حفظه الله- بجامعة الملك سعود علاقة منصب عابر، بل مسار دائري متكامل بدأ من مقاعدها، وعاد اليوم إلى قمة مسؤوليتها. تخرج فيها حاصلاً على بكالوريوس العمارة، ثم ابتعث إلى جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة، فجمع فيها ماجستير العمارة، وماجستير التخطيط العمراني، ثم الدكتوراه في تخطيط المدن والأقاليم. وعاد إلى جامعته محملاً بمعرفة عالمية لم يحتفظ بها لنفسه، بل ليعمل أستاذاً في كلية العمارة والتخطيط ناقلاً للمعرفة ثم رئيساً لقسم التخطيط، قبل أن ينتقل إلى ميدان إدارة المدينة أميناً لمنطقة الرياض، وها هو اليوم رئيساً لمجلس إدارة جامعة الملك سعود.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذا المسار العلمي الثري لسموه عبر كلية العمارة والتخطيط، هو أنه لا ينبغي النظر للكلية بوصفها مجرد قاعات للمحاضرات النظرية أو مصنعاً للشهادات. وإنما هي بيئة مهنية تتصل بالمدينة وسوقها وتحولاتها، فالمخطط الجيد لا يكتفي برسم صورة مثالية للمدينة، وإنما يقرأ الأرض والناس والأسعار والخدمات واتجاهات النمو، ويختبر الفكرة بالبيانات قبل أن يحولها إلى توصية. وهذا النهج كان حاضراً في أساتذة الكلية وفي مناقشة مشروعات الطلاب وتحكيمها.

ومن محطاتي التي لا أنساها تحكيم الأمير عبدالعزيز بن عياف لمشروع تخرجي في يناير 1996، في تجربة جسدت قرب الأستاذ من الممارسة لا من النظرية المجردة، الذي أعددته في كلية العمارة والتخطيط بعنوان «دراسة أسعار الأراضي والأراضي الفضاء». لم يكن المشروع تمريناً صفياً منفصلاً عن الواقع، بل تجسيدًا لدمج الممارسة التعليمية بالممارسة العملية. فقد اختار منطقة وسط الرياض ميداناً للدراسة (21 حارة بمساحة تقارب 27 كيلومتراً مربعاً). والأهم أن منهج المشروع نزل إلى السوق نفسه ليستقصي المعلومات من المكاتب العقارية والجهات المختصة، ويربط بين استعمالات الأراضي ومستوى الخدمات وأسعارها، ومعتمدًا على استبيانات ميدانية لسعر المتر ومتوسطات البيع والخدمات المتاحة. كما وضع نتائجه في سياق دراسة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والقروية لسوق الأراضي السكنية. ثم أُدخلت بيانات المشروع حاسوبياً لمقارنة اتجاهات الأسعار. مشكلة بذلك مدخلاً لفهم أين؟ ولماذا؟ وكيف؟ ينبغي أن تتجه التنمية العمرانية للمدينة، وهو ما استحسنه وأشاد به مهنيو القطاع أثناء مناقشة المشروع، وعلى رأسهم عبدالله العلي النعيم -رحمه الله-.

وهنا تكتسب عودة الأمير عبدالعزيز بن عياف إلى الجامعة رئيساً لمجلس إدارتها دلالة تتجاوز اكتمال المسار الشخصي، فهي تأتي في وقت تتطلع فيه الجامعة إلى تعميق دورها التنموي واستعادة تأثيرها خارج أسوارها. وفي رسالته إلى أعضاء هيئة التدريس والطلاب، وضع سموه ملامح واضحة لأولويات المجلس في دورته الجديدة، وفي مقدمتها مواصلة تطوير المنظومة المؤسسية، وترسيخ الحوكمة ورفع كفاءة الأداء، مع التركيز على رسالة الجامعة الأساسية في التعليم والبحث والابتكار، وتعزيز قدرتها على استقطاب الكفاءات والمواهب، وتهيئة بيئة أكاديمية وبحثية قادرة على المنافسة وصناعة الأثر. والأهم أن الرسالة لم تجعل إنتاج المعرفة غاية نهائية، بل ربطت قيمة الجامعة بما تحدثه هذه المعرفة من أثر في الإنسان والمجتمع والاقتصاد، عبر تدريس متميز وبحث علمي يعالج الأولويات والتحديات، وابتكار ينتقل من المختبر إلى التطبيق، وشراكات توسع أثر الجامعة محلياً وعالمياً.

ولعل استعادة هذا الدور التطبيقي، كما أراه شخصيًا وعاصرته، أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل اتساع حضور المكاتب الاستشارية واستئثارها بجانب كبير من الدراسات والمشروعات المهنية. كل هذا أدى مع الوقت إلى إضعاف الصلة المباشرة بين بعض الجامعات وقطاعات التنمية والممارسة. فحين تنتقل صناعة الدراسات والأطر والحلول بالكامل إلى خارج المؤسسة الأكاديمية، تفقد الجامعة جزءاً مهماً من مختبرها الحقيقي، ويحرم الأستاذ والطالب من الاحتكاك المنتظم بالمشكلات الواقعية والبيانات والمستجدات المهنية، كما تخسر الجهات التنفيذية رصيداً علمياً تراكمياً مستقلاً كان يمكن أن يسهم في تطوير الحلول لا مجرد استهلاكها. وقد أفضى الاتجاه المتزايد نحو توحيد المعرفة الاستشارية وتحويلها إلى منتجات متكررة ذات طابع تجاري إلى اتساع الفجوة بين الفكر الأكاديمي والقطاعات التنموية، وهذه الفجوة لا تُردم إلا بإعادة الجامعة شريكاً أصيلاً في البحث والدراسة والتطبيق وخدمة المجتمع والمهنة.

ختامًا، هذه التجربة الأكاديمية تلخص معنى الكلية والجامعة حين تكونان في أفضل حالاتهما. تعليم يختبر النظرية في الميدان، وأستاذ يربط الطالب بالمهنة، وبحث لا ينتهي عند رفوف المكتبة، بل يتحول إلى معرفة تخدم المدينة والمجتمع. ومن هنا تبدو عودة الأمير عبدالعزيز بن عياف اليوم إلى جامعة الملك سعود رئيساً لمجلس إدارتها أكثر من عودة ابن بار إلى جامعته، فهي فرصة لاستعادة نموذج الجامعة الحاضرة في الممارسة، والشريكة في صناعة القرار والدراسات والحلول، والقادرة على وصل التعليم والبحث والابتكار بحاجات المجتمع وقطاعات التنمية. وهو في جوهره، ما أكدت عليه رسالته إلى أعضاء هيئة التدريس والطلاب حين جعل مجتمع الجامعة شريكاً أساسياً، وجعل تحويل الخطط والأفكار إلى نتائج ومنجزات وأثر مستدام معياراً لطموح المرحلة المقبلة.

ليست علاقة صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف -حفظه الله- بجامعة الملك سعود علاقة منصب عابر، بل مسار دائري متكامل بدأ من مقاعدها، وعاد اليوم إلى قمة مسؤوليتها. تخرج فيها حاصلاً على بكالوريوس العمارة، ثم ابتعث إلى جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة، فجمع فيها ماجستير العمارة، وماجستير التخطيط العمراني، ثم الدكتوراه في تخطيط المدن والأقاليم. وعاد إلى جامعته محملاً بمعرفة عالمية لم يحتفظ بها لنفسه، بل ليعمل أستاذاً في كلية العمارة والتخطيط ناقلاً للمعرفة ثم رئيساً لقسم التخطيط، قبل أن ينتقل إلى ميدان إدارة المدينة أميناً لمنطقة الرياض، وها هو اليوم رئيساً لمجلس إدارة جامعة الملك سعود.

ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذا المسار العلمي الثري لسموه عبر كلية العمارة والتخطيط، هو أنه لا ينبغي النظر للكلية بوصفها مجرد قاعات للمحاضرات النظرية أو مصنعاً للشهادات. وإنما هي بيئة مهنية تتصل بالمدينة وسوقها وتحولاتها، فالمخطط الجيد لا يكتفي برسم صورة مثالية للمدينة، وإنما يقرأ الأرض والناس والأسعار والخدمات واتجاهات النمو، ويختبر الفكرة بالبيانات قبل أن يحولها إلى توصية. وهذا النهج كان حاضراً في أساتذة الكلية وفي مناقشة مشروعات الطلاب وتحكيمها.