خطوة إعلامية تاريخية .. تلك الصفحة التي صدرت باللغة الصينية في صحيفة سعودية قد تكون الأولى من نوعها عالمياً، وكانت على إحدى الصفحات الداخلية لصحيفة «الرياض».
في اليوم التالي من نشرها، دخل عبدالعزيز الشعباني مكتب رئيس تحرير صحيفة «الرياض» ليجدها معلّقةً في برواز أنيق على حائط المكتب، ليراها كل زائر وليستمع إلى موجز عنها من رئيس التحرير كأول عمل إعلامي باللغة الصينية يُنتج في إطار تعاون كبير بين صحيفة «الشعب اليومية» الصينية وصحيفة «الرياض». ويرى الشعباني، الذي شهد هذا التعاون الإعلامي وأسهم في دفعه قدماً، أن هذه الصفحة الخاصة تمثّل «خطوة بالغة الأهمية» في التعاون الإعلامي السعودي الصيني، وأنها وجدت أصداء كبيرة محلية ودولية.
وللشعباني اسم صيني يعرفه به أصدقاؤه الصينيون أكثر، هو «شياو بانغ». وحين يستعيد مسيرته الدراسية والمهنية على مدى أكثر من 15 عاماً، يقول: «أجد نفسي كثيراً بين السعودية والصين».
في عام 2011، وبعد سنوات من العمل في الصحافة والإعلام، توجّه الشعباني إلى مدينة شيآن الصينية لدراسة الماجستير في هندسة الاتصالات ونظم المعلومات بجامعة شيديان
(Xidian University). إضافةً إلى دراسة اللغة الصينية وآدابها، وكانت تلك أول تجربة له في الإقامة خارج بلاده، لتصبح شيآن، وهي إحدى عواصم الصين القديمة، نقطة انطلاقه لفهم الصين.
بعد مرور عام واحد فقط من العيش في هذه المدينة التي كانت غريبةً عنه، والتي تبعد أكثر من 6000 كيلومتراً عن الرياض، أدرك الشعباني أنه أحبّها. وبدأ يتجوّل في شوارعها وأزقتها العتيقة، ويتواصل مع أهلها، وتعرّف على عدد كبير من الأهالي والأصدقاء في شيآن لا يزال على تواصل معهم حتى اليوم. ويقول: «أردت أن أدوّن تجاربي خلال السنوات الست التي عشتها في شيآن».
وبعد إتمام دراسته وعودته إلى بلاده، صاغ ملاحظاته اليومية وانطباعاته وتأملاته عن الحياة في شيآن في عمل سردي توثيقي، اختار له عنوان «في بلدة صينية قديمة». وبعد صدوره، عُرض الكتاب في معارض للكتاب في دول عربية عديدة؛ فأحبَّ الكثير من القراء حكاياته عن الصين، فيما استحسن آخرون أسلوب السرد الذي يبرز التباين بين الثقافات. وأدرك الشعباني أن تجربته الشخصية بدأت تتشكل كنافذة يتعرّف من خلالها القارئ العربي إلى الصين.
«لفترة طويلة، كانت صورة الصين لدى الناس في السعودية والمنطقة العربية مستمدة إلى حد كبير من وسائل الإعلام الغربية، وكأنّ هناك دائماً وسيطاً بين الثقافتين». وقد دفعه هذا الشعور إلى التفكير في كيفية الجمع بصورة أفضل بين خلفيته المهنية في الإعلام وتجربته الدراسية والحياتية في الصين. فبدأ يخصّص مزيداً من جهده للبحث في العلاقات الصينية السعودية والقضايا المتعلقة بالصين، ويحاول عبر الإعلام توسيع نافذة التعارف المتبادل بين البلدين.
وفي وسائل الإعلام الصينية، يقدّم الشعباني، بصفته باحثاً ومستشاراً في الشأن الصيني، قراءات في الأحداث الراهنة في الشرق الأوسط للجمهور الصيني، آملاً في «تصحيح الصورة المشوّهة التي تنقلها وسائل الإعلام الغربية». وللقرّاء السعوديين، يتناول أيضاً السياسة والاقتصاد في الصين وتأثير مبادرة «الحزام والطريق» في المنطقة، ويعرّفهم بالصين كما هي في الواقع، بصورة تختلف عن تلك التي تقدّمها السرديات الغربية.
في العام الماضي، أبرمت صحيفة «الرياض»، أكبر صحيفة سعودية باللغة العربية، وصحيفة «الشعب اليومية»، أكبر صحيفة صينية، اتفاقاً للتعاون الاستراتيجي، وبحث الجانبان تخصيص صفحة لتقارير باللغة الصينية في الصحيفة العربية، بهدف تعزيز التفاهم والتبادل بين الصين والسعودية. وشارك الشعباني في هذا التعاون الذي تجاوز المسافات والحدود بصفته أحد المنسّقين من الجانب السعودي. ويرى أن هذه التقارير لا تستقطب القرّاء الصينيين في السعودية فحسب، بل توفّر أيضاً منصة لمزيد من السعوديين الراغبين في تعلّم اللغة الصينية والتعرّف إلى الثقافة الصينية.
ويلاحظ الشعباني أن وسائل الإعلام الصينية باتت، في السنوات الأخيرة، تولي اهتماماً متزايداً بالتغطية الموجّهة إلى السعودية، وأن تأثير محتواها في المجتمع السعودي يتنامى. وفي الوقت نفسه، يسهم التبادل اللغوي والثقافي في تعزيز التقارب بين الشعبين: إذ يزداد اهتمام أولياء الأمور السعوديين بتعليم أبنائهم اللغة الصينية، ويقبل كثير من الشباب السعوديين على استكشاف الثقافة الصينية، كما تتزايد المطاعم الصينية والشركات الصينية في الرياض وجدة.
وبالنظر إلى المستقبل، يأمل الشعباني ألّا يقتصر التواصل بين وسائل الإعلام السعودية والصينية على الطرق التقليدية، بل يرى أنه «لا بد من مزيد من المبادرات والأساليب الجديدة والأفكار المبتكرة للوصول بصورة أفضل إلى الجمهور في السعودية، بل وفي منطقة الخليج». وهو يتطلّع إلى تقليل الاعتماد على ما ينقله الآخرون، وتوسيع الحوار المباشر، والحدّ من الصور النمطية التي تختزل الآخر، وإفساح المجال لمزيد من السرد المشترك.
«كل تواصل يجب أن يقوم أولاً على الثقة». ومن موقعه بين السعودية والصين، يدرك الشعباني أن تعزيز معرفة كل حضارة بالأخرى يتطلّب جهوداً مكثّفة ومتواصلة على مدى طويل. ويقول: «من المهم أن يستمر العمل على التبادل بين وسائل الإعلام السعودية والصينية، وستتجلّى ثماره بصورة أوضح بعد سنوات».
هذا التقـرير هو الثاني ضمن سلسلة «الصـين والسعوديـة أقرب مما نتصور»، وقد أُعدّ بالتعـاون
بين صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية وصحيفة «الرياض» السعوديـة.