عبدالرحمن الراشد… هل تتصدّع المنظومة الإعلامية السعودية؟

عبدالرحمن الراشد بزته الرسمية التي اعتاد ارتداءها في إطلالاته الإعلامية، وظهر بالزي السعودي التقليدي خلال مقابلة مع بودكاست «سقراط»، الذي يقدّمه عمر الجريسي على منصة «ثمانية». لم يقتصر الحديث مع الصحافي السعودي على الشؤون الإعلامية، بل تحوّل إلى جولة في التطورات التي تشهدها المنطقة، بدءاً من الحرب التي تشنّها السعودية على أنصار الله، وصولاً إلى مستقبل البلاد والتحديات التي تواجهها. أثار الحوار بلبلة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن الراشد يُعدّ أحد أبرز رجالات الإعلام المخضرمين في السعودية، وصاحب حضور إعلامي طاغ ومواقف لطالما أثارت الجدل.

السعودية تواجه تهديداً مخيفاً

في هذا السياق، أطلق الراشد خلال بودكاست «سقراط» تصريحات يمكن وصفها بالجريئة. فقد توقّف عند الحرب مع أنصار الله، مؤكداً أنهم عدو لا يُستهان بخطورته، «لأنهم أداة انتحارية، لا لأنهم أصحاب بأس أو جماعة مقاتلة قوية»، بحسب قوله. واستوقف المستمعين حديث الراشد عن أنصار الله، وإشارته إلى «قوتهم وبأسهم وشراستهم في القتال وتسلّقهم الجبال». ولم يتوقف عند هذا الوصف، بل أضاف «الشرعية مفككة وأطروحات قيادات الفنادق مؤثرة، لكن الحوثيين مقاتلون أقوياء وذوو بأس، ويشكّلون خطراً كبيراً، وبسببهم تتعرّض المملكة لأكبر هجوم في تاريخها منذ التأسيس». واختتم حديثه بالتحذير من حجم التهديدات التي تواجهها السعودية، قائلاً «نعاني من تهديد مخيف جداً على ثلاث جبهات: إيران، العراق، اليمن. والمشكلة أنه ليس معنا أحد، نحن بمفردنا». وأثارت هذه التصريحات موجة من التعليقات التي رأت في إقرار شخصية إعلامية سعودية بارزة بقوة الحوثيين مؤشراً إلى تحوّل في الخطاب السعودي، وربما مقدّمة نحو الرضوخ والاستسلام.

إشادة بـ«الجزيرة» وانتقاد للذباب الإلكتروني السعودي

في المقابل، تطرّق الراشد إلى المقارنة بين قناتي «العربية» و«الجزيرة»، مثنياً على التغييرات الإيجابية التي شهدتها الشاشة القطرية في عيدها الثلاثين. وأكد أن القناة استقدمت جيلاً جديداً إلى شاشتها، وأدخلت تعديلات جوهرية أسهمت في جذب الجمهور. ولم تخلُ المقابلة من انتقادات لاذعة للذباب الإلكتروني السعودي، قائلاً «إنهم خرجوا عن السيطرة وخرّبوا علاقاتنا مع دول الخليج ومصر».

اعتراف بالهزيمة أم تحوّل في الخطاب السعودي؟

هكذا، جاءت مقابلة عبدالرحمن الراشد في بودكاست «سقراط» بنبرة سعودية مختلفة، قلما سمعت بهذه الصراحة، في ظل التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة. وشكّلت تصريحاته صدمة لدى شريحة من السعوديين، وأشعلت جدلاً وسط سجالات شاركت فيها حسابات سعودية وإماراتية. وتصاعدت الحملات ضد الصحافي السعودي، ولا سيما من جانب مغرّدين إماراتيين، اعتبروا أن ما وصلت إليه السعودية هو نتيجة سياستها المتهاونة مع أنصار الله!. في المقابل، رأى آخرون أن تصريحات الراشد، في خضم الحرب، تعكس ضعفاً في الموقف السعودي، بعدما كان الخطاب السائد يقوم على التباهي بقوة السعودية العسكرية.

ولم ترحم التعليقات الراشد منذ بثّ المقابلة، إذ اعتبر منتقدوه أن الإعلامي المعروف بقربه من ولي العهد محمد بن سلمان، والذي تولّى إدارة مؤسسات إعلامية بارزة، من قناة «العربية» إلى صحيفة «الشرق الأوسط» ومجموعة MBC، أول معترف بالهزيمة أمام الحوثيين. وجاءت هذه الانتقادات على خلفية الخطاب الإعلامي الذي سعى إلى ترسيخ صورة السعودية القوية، وهي الصورة التي يعمل محمد بن سلمان ومستشاره تركي آل الشيخ على تعزيزها.

ورأت تعليقات أخرى أن التحولات التي تشهدها السعودية لم تعد قابلة للإنكار، وأنها ظهرت هذه المرة على لسان أحد أبرز وجوهها الإعلامية. فالراشد، الذي يُلقّب بـ«إمبراطور الإعلام السعودي»، يُعدّ بالنسبة إلى كثيرين تجسيداً لنفوذ المؤسسة الإعلامية السعودية وخطابها المتضخّم. واعتبر منتقدون أن لسان الراشد قد زلّ، وأن تصريحاته أسقطت خطاب المزايدة على الوطنية، ووضعته في ورطة إعلامية لا تخدم، في رأيهم، سوى أنصار الله. أما في الشق الإعلامي، فرأى آخرون أن إنصاف قناة «العربية» لا يعني إعفاءها من النقد، لكن ذلك لا يبرّر، في نظرهم، تلميع صورة «الجزيرة» على لسان أحد أبرز مؤسّسي القناة السعودية.

وبين التحذير من قوة أنصار الله، والإشادة بـ«الجزيرة»، وانتقاد الذباب الإلكتروني، فتحت تصريحات الراشد الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة التحولات التي يشهدها الخطاب الإعلامي السعودي، وما إذا كانت تعبّر عن مواقف شخصية أم تعكس توجّهاً أوسع في السعودية.