تتجاوز الروايات والقصص المرتبطة بالأحداث والشخصيات في تراثنا العربي كونها مجرد حكايات تتناقلها الأجيال؛ فهي أنسجة متداخلة من الذاكرة والهوية والبيئة، تشكّلت عبر طبقات متعاقبة من النقل الشفوي، ثم التدوين، فالنسخ والتصحيح. وفي هذا النسيج المعقد، يبرز سؤال لا يزال من أكثر الأسئلة إثارة للجدل لدى الباحث والقارئ على حد سواء: كيف يمكن تمييز الصحيح من الضعيف، عندما تتعدد روايات الحدث الواحد وتتباين، بل وتتعارض أحياناً؟في هذا الحوار، يقدم د. عبدالحكيم الزبيدي لـ«الخليج»، قراءة نقدية منهجية لآليات نقل الرواية، مبيناً أن تعدد الروايات يمثل في جوهره ثراء معرفياً، إذ يتيح قراءة الحدث من زوايا متعددة، وليس بالضرورة علامة على خلل أو اضطراب في مسار النقل والتدوين، غير أن هذا الثراء ظل عرضة للتعطيل حين غاب النقد العلمي، أو حين جرى توظيف الروايات لخدمة سرديات مذهبية وسياسية.وفي إجابته عن سؤال كيف نميز بين تعدد الروايات المتناقضة، يوضح الزبيدي أن اختلاف الروايات في تراثنا العربي يرتبط بطبيعة عملية النقل نفسها، وتنوع البيئات والرواة، وتباين زوايا النظر، فضلاً عن الرواية بالمعنى وتعدد اللهجات، ويشير إلى أن العلماء وضعوا، منذ وقت مبكر، منظومة نقدية دقيقة لفحص السند والمتن وتمييز الصحيح من الضعيف، وهو ما أتاح التعامل مع تعدد الروايات للحدث الواحد ضمن إطار منهجي واضح.يؤكد الزبيدي أن بعض الروايات شوهت تراثنا العربي، وهناك شخصيات وأحداث في تراثنا تعرضت للظلم، بسبب رواية واحدة شهيرة، أصبحت هي المهيمنة، بينما تكشف القراءة النقدية للمصادر المختلفة عن صورة مغايرة تماماً، فالحجاج بن يوسف مثلاً صور في بعض الروايات صورة الطاغية الدموي، بينما تظهر مصادر أخرى أنه كان إدارياً صارماً وصاحب إصلاحات واسعة وإنجازات عظيمة، كذلك «المتنبي» اتهم في رواية واحدة ضعيفة بأنه ادعى النبوة، بينما تكشف المصادر المبكرة أن التهمة كانت كيدية لا تاريخية، وكذلك شخصيات علمية كابن سينا وابن حزم، حيث جاءت بعض الروايات المتهِمة بالزندقة أو الشذوذ الفكري، من خصوم مذهبيين أو روايات فردية غير موثقة، بينما تكشف مؤلفاتهم وصورهم في المصادر المبكرة عن عقلية علمية رصينة وعمق فكري، وهذه الأمثلة تؤكد أن انتشار الرواية لا يعني صحتها، وأن القراءة النقدية قادرة على إعادة الاعتبار لكثير من الشخصيات والأحداث المشوهة.*خللغير أن الخلل الحقيقي، بحسب الزبيدي يظهر في حالتين: الأولى حين يغيب النقد العلمي فتؤخذ الروايات بلا تمحيص أو مقارنة أو وزن بالسياق التاريخي، والثانية حين توظف الروايات الضعيفة في بناء سرديات تاريخية أو دينية من دون مراعاة شروط الصحة، وفي هذا السياق يذكر بأن المحدثين قديماً والباحثين المعاصرين نبهوا إلى وجوب نقد المتون، مؤكدين ضرورة تفعيل أدوات النقد التي عطلها التقديس غير المنهجي. وحول المعايير التي ينبغي اعتمادها عند تعارض الروايات، يوضح الزبيدي أن الباحث يعتمد منظومة نقدية ثلاثية الأبعاد، فهو يفحص قوة السند واتصال الرواية، عبر فحص سلسلة الرواة وثقتهم واتصالهم الزمني، والتحقق من إمكان اللقاء بين الراوي ومن روي عنه، وملاحظة ظواهر التفرد أو الاضطراب في السند، كما أنه يحلل المتن للتأكد من سلامته واتساقه مع المعقول التاريخي، من خلال توافق الرواية مع الحقائق الثابتة، وخلوها من المبالغات أو التناقضات الداخلية، وانسجامها مع طبيعة العصر وأعرافه السياسية والاجتماعية، وأخيراً يقارن القرائن التاريخية ويبحث عن شواهد مستقلة، مثل شهادات المعاصرين والوثائق أو النقوش أو المراسلات المؤيدة أو المضعفة، مع مراعاة توافق الرواية مع سياق الحدث ومساره العام. ويشدد الزبيدي على أن اليقين التاريخي يتحقق في حالات محدودة (كالروايات المتواترة أو الأدلة المادية)، أما الغالب في الدراسات التاريخية فهو الوصول إلى الرواية الأقرب للدقة، والتي تتجمع حولها القرائن وتتسق مع السياق، وهذا المنهج، يعكس طبيعة المعرفة التاريخية التي تبنى على الترجيح العلمي لا على القطع المطلق.وحول العوامل التي أثرت في الروايات التي وصلت إلينا، يبين الزبيدي أن الأمر يبدأ بطبيعة النقل الشفوي في القرون الأولى قبل شيوع التدوين، حيث كانت الروايات تنتقل عبر حلقات العلم والمجالس، ما يفتح الباب لاختلاف الصياغة ونسيان بعض التفاصيل وإدخال ما ليس من الرواية بسبب التشابه أو الوهم، ثم تأتي تأثيرات البيئات السياسية والمذهبية، إذ انتشرت بعض الروايات لأنها تخدم اتجاهاً سياسياً أو فكرياً أو مذهبياً، بينما ضعفت أخرى لأنها لا تنسجم مع الخطاب السائد في عصر التدوين.ويضيف أن مشكلات التدوين المتأخر والتصحيف والتحريف في المخطوطات، ونقل النصوص عبر نساخ متفاوتي الدقة، قد تغير الرواية أو تدخل عليها اضطراباً، كما أن بعض الروايات غير المؤكدة انتشرت لأنها تنسجم مع سرديات اجتماعية أو سياسية، أو لأنها أسهل تداولاً، أو لأنها ارتبطت برواة مشهورين، ويخلص إلى أن انتشار الرواية لا يعني دائماً صحتها، ولكنه عملياً يعكس ديناميات المعرفة في التراث العربي حيث تتداخل الذاكرة الجماعية مع آليات النقل والتدوين.