أحيت المندوبية الدائمة لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، بالتعاون مع الأمانة العامة للجامعة (قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة)، ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة، وذلك تنفيذًا لقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته العادية الـ(166)، التي عقدت في سبتمبر الماضي، باعتماد يوم 17 أكتوبر من كل عام لإحياء ذكرى الضحايا وملاحقة مرتكبي الجريمة بكل الوسائل القانونية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وجاء إحياء الذكرى بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالقاهرة، في 18 أكتوبر 2026، بمشاركة رئيس البرلمان العربي محمد أحمد اليماحي، والمندوب الدائم لدولة فلسطين السفير مهند العكلوك، وعدد من السفراء وممثلي الدول العربية والأجنبية وأبناء الجالية الفلسطينية في مصر، حيث استحضرت الفعالية حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما خلفته من آلاف الضحايا والدمار والنزوح والتجويع، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنهاء الاحتلال.
وفي كلمته خلال الفعالية، أكد السفير مهند العكلوك، أن إحياء الذكرى للمرة الأولى من مقر جامعة الدول العربية يمثل خطوة نحو إنصاف ضحايا الشعب الفلسطيني وضمان عدم إفلات المسؤولين عن جريمة الإبادة الجماعية من العقاب، مشددًا على ضرورة الانتقال من الإدانات إلى إجراءات عملية تشمل فرض العقوبات على إسرائيل ومقاطعتها وملاحقة المسؤولين عن الجرائم أمام المحاكم الدولية.
واستعرض العكلوك، خلال كلمته، حجم الجرائم التي تعرض لها الفلسطينيون على مدار 1107 أيام، وما خلفته الحرب من خسائر بشرية ودمار واسع ونزوح قسري وتجويع، متوقفًا عند استهداف الأطفال والنساء والمنشآت الطبية والتعليمية ودور العبادة، كما روى قصتي الطفلتين مريم غانم وحنين الوادية، اللتين تجسدان حجم المعاناة الإنسانية التي خلفتها الحرب على أطفال غزة.
وأشار العكلوك إلى أن إحياء ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني يضيف صفحة جديدة إلى سجل التاريخ، عنوانها إنصاف الضحايا والعمل على ضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من العقاب، لافتا إلى أن جامعة الدول العربية تشهد للمرة الأولى إحياء هذه الذكرى، في ظل استمرار الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
وأوضح أن إسرائيل ارتكبت، ولا تزال ترتكب، جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني على مدار 1107 أيام، مستهدفة، وفقًا لما ذكره، تدمير الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، كليًا أو جزئيًا، من خلال قتل وإصابة مئات الآلاف من المدنيين، وإلحاق أضرار جسدية ونفسية خطيرة بهم، وإخضاعهم عمدًا لظروف معيشية تستهدف تدمير الجماعة الفلسطينية ماديًا ومعنويًا، فضلًا عن تبني سياسات تستهدف تقويض مستقبلها، من خلال الاستهداف الممنهج للأطفال والنساء، بمن فيهن الحوامل والمرضعات.
وأشار العكلوك إلى أن محكمة العدل الدولية أقرت، في تدابيرها المؤقتة الصادرة مطلع عام 2024، بأن الشعب الفلسطيني جماعة محمية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
وأضاف أن إسرائيل أجبرت نحو مليوني فلسطيني على النزوح القسري من منازلهم وأحيائهم ومدنهم، وأخفت قسريًا آلاف المدنيين، واعتقلت وعذبت آلاف الأسرى الفلسطينيين، كما فرضت حصارًا وتجويعًا حرم سكان قطاع غزة من مقومات الحياة الأساسية، بما في ذلك المياه والكهرباء والغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية.
ولفت إلى أن الدمار الذي لحق بالقطاع تجاوز 80% من مقومات الحياة، بحسب ما أورده في كلمته، نتيجة استخدام أكثر من مئة ألف طن من المتفجرات، ما أدى إلى تدمير مئات الآلاف من الأعيان المدنية المحمية بموجب القانون الدولي، وفي مقدمتها المنازل والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات والمخابز وآبار المياه والأراضي الزراعية والمساجد والكنائس والمتاحف والمكتبات والمنشآت الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية.
كما امتد الدمار، وفقًا للعكلوك، إلى البنية التحتية وشبكات الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي، في سياق وصفه بالممنهج والمتعمد، تزامنًا مع خطاب من الكراهية والعنصرية والتحريض تبنته الحكومة الإسرائيلية وأعضاؤها وقادة وضباط جيش الاحتلال، معتبرًا أن ذلك يعكس نية ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
وأوضح العكلوك، أن جامعة الدول العربية والبرلمان العربي اعتمدا يوم 17 أكتوبر من كل عام لإحياء ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وللتأكيد على ضرورة ملاحقة المسؤولين عنها بجميع الوسائل القانونية، على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن يوم 17 أكتوبر 2023 شهد، بحسب كلمته، مقتل أكثر من 700 فلسطيني خلال أقل من 24 ساعة، في واحدة من أكثر الفترات دموية خلال السنوات الثلاث الماضية، وكان من بين الضحايا من سقطوا في مجزرة المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في حي الزيتون بمدينة غزة.
وأضاف أن المستشفى، الذي كان منشأة طبية وملاذًا للمدنيين، تعرض للقصف الإسرائيلي رغم طبيعته الإنسانية، ما أدى إلى مشهد وصفه بأنه من أكثر المشاهد قسوة في تاريخ الإنسانية، بعدما تحول المكان إلى ساحة للموت والدمار.
ووجه المندوب الفلسطيني نداءً إلى دول العالم وشعوبه، داعيًا إلى التحرك دفاعًا عن الأخلاق والقيم الإنسانية والقانون الدولي وحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، مستشهدًا بمطلع الميثاق الذي يؤكد ضرورة إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب التي جلبت على الإنسانية أحزانًا يعجز الوصف عنها.
وقال إن إسرائيل جلبت على الإنسانية، من خلال جريمة الإبادة الجماعية، موجة جديدة من الآلام والجرائم، مشيرًا إلى أن إجمالي الضحايا المباشرين بلغ، وفقًا للأرقام التي أوردها في كلمته، ربع مليون فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن، فيما تفوق أعداد الضحايا غير المباشرين هذا الرقم بأضعاف مضاعفة.
وشدد على ضرورة منع إفلات المسؤولين عن الجرائم من العقاب، مؤكدًا أن إنصاف الضحايا لا يقتصر على استذكارهم، بل يتطلب العمل الجاد لمحاسبة مرتكبي الجرائم وضمان عدم تكرارها.
وأكد العكلوك، أن إحياء الذكرى يمثل مناسبة لاستعادة وجوه الشهداء وأسمائهم وقصصهم وأحلامهم التي لم تتحقق، مشددًا على أن الذاكرة الفلسطينية ستظل تحتفظ بما تعرض له الشعب من مجازر وآلام وتهجير وقتل وإصابات وتجويع وتدمير للمنازل وبتر للأطراف وفقدان للأحبة.
واستشهد بالآية القرآنية: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، مؤكدًا أن الشهداء سيبقون حاضرين في ذاكرة الشعب الفلسطيني.
ووجه رسالة إلى الأحرار في العالم، دعاهم فيها إلى عدم التراجع عن مواجهة الظلم والاضطهاد، مطالبًا إياهم باستحضار معاناة الجائعين الذين يتنقلون في شوارع غزة بحثًا عن الطعام، وأحوال النازحين الذين يعيشون في خيام مهترئة وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة، تحاصرهم فيها الحشرات والقوارض، إلى جانب آثار القصف والتجويع والنزوح